الإنشاد الصوفي

الأربعاء 20 نيسان 2022 336

الإنشاد الصوفي
سامر المشعل 
يحيلنا شهر رمضان الفضيل بما فيه من طقوس روحية وعبادية إلى تناول موضوعات تتسق مع أجوائه العابقة بالإيمان والنفحات الروحية، واستكمالا لحديثنا السابق عن الأغنية الدينية التي بدأت مع هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة، واحتفال أهل المدينة بمقدم الرسول إليهم بنشيد «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع» مع ضرب الدفوف، وصولا إلى العصر العباسي، حيث متصوفة بغداد، وكانت بغداد آنذاك هي عاصمة الخلافة الإسلامية ومركزاً حضارياً واشعاعاً فكرياً وثقافياً عم العالم بأسره. 
ومن خلال أشعار المتصوفة وطرقهم ولد الإنشاد الصوفي واتخذ أشكالاً متعددة من الإنشاد والموسيقى والرقصات مثلما هو الحال في الطريقة المولوية، ومن الطرق الصوفية الأخرى هي الطريقة القادرية نسبة إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني المدفون في بغداد، والطريقة النقشبندية والرفاعية والكسنزانية والحشتية وغيرها.تدور موضوعات الإنشاد الصوفي حول حب الله ورسوله بأشعار تحمل في طياتها العشق والهيام والغزل والشوق والحنين لرؤية الذات الإلهية والذوبان بالعشق الإلهي، وبعضها أشعار وعبارات رمزية لا يعرف كنهها وأسرارها، إلا من وصلت به النشوة إلى التجرد من كل ما هو مادي وجسدي.
للموسيقى وصوت الايقاع والرقص تأثير كبير في النفس البشرية، ويستعين بها دراويش الصوفية للتحرر من سلطة الجسد والانتقال من الطبيعة إلى ما وراء الطبيعة، حسب المفهوم الصوفي بالتوحد مع الذات الإلهية بغية الوصول إلى الكمال المنشود، فمثلاً بالطريقة المولوية يرتدي الدرويش زياً خاصاً به، فيخلع عن نفسه العباءة بقصد نزع شهواته الغريزية، ويرتدي تنورة وقبعة طويلة ثم يأخذ بالدوران، وهذه متأتية من فكرة دوران الكواكب حول الشمس، بهدف كبح جماح النفس عن الرغبات، يقوم الدرويش برفع يده اليمنى وخفض يده اليسرى إلى الأسفل، وهو نوع من المناجاة للخالق وصعود الروح نحو الرب.
وترجع الطريقة المولوية إلى المتصوف جلال الدين الرومي الذي أسسها في مدينة قونية التركية، بعد أن طاف بالعديد من البلدان الإسلامية مثل بغداد ومكة والشام ثم استقر في قونية التركية ودفن فيها، وأوصى أن يكتب على قبره البيت الشعري:
لن تكون الأرض بعد الموت قبري
إن قبري في صدور العارفين
في البداية كان الإنشاد الصوفي مصحوباً بالدفوف والطبول والناي، ثم أدخلت مع مرور الأيام آلات موسيقية أخرى مثل القانون والكمان والعود، وفي الآونة الأخيرة أخذت بعض الفرق والمنشدين يمزجون بين الموسيقى الشرقية والغربية في إنشادهم، بل دخل ساحة الإنشاد الصوفي عدد من المغنيات والمنشدات مثل جاهدة وهبة. 
وفي العصر الحديث يعد الملا عثمان الموصلي رائد الموسيقى الصوفية ومؤسس فن المنقبة النبوية وقد ترك لنا إرثاً كبيراً في المديح النبوي والغناء الصوفي وأثر في العديد من البلدان العربية، وأخذ الكثير من قراء المقام والمطربين من ألحانه وغيروا من الكلام ليتلاءم والغناء العاطفي مثل المطرب ناظم الغزالي الذي أخذ منه أغنية «فوق النخل وأم العيون السود»، والسيدة فيروز التي أخذت منه أغنية «زوروني بالسنة مرة « وفي العدد المقبل سنتناول سيرة العبقري ملا عثمان الموصلي بالتفصيل.