فهم الرواية

الثلاثاء 26 نيسان 2022 225

فهم الرواية
 ابراهيم سبتي
 
ثمة سؤال جوهري يوجهه القارئ أو الناقد بعد الانتهاء من قراءة الرواية: ما الذي أراد قوله الكاتب في روايته؟ هذا السؤال سيجرُّ إلى أسئلة كثيرة ومعطيات على الكاتب أن يفهمها قبل الشروع بكتابة روايته وعليه أن يدرك بأنّه سيكون بمواجهة أمام قارئ وناقد وفضاء من التحليل والتشريح لما كتب. 
إنَّ فصول الرواية التي تغرق في طرق وأروقة ومتاهات ودهاليز، وتتشابك فيها الأحداث وتتعدد الشخصيات وتتوالى الأمكنة وينتقل فيها الزمن من حال إلى حال. كل هذا يضع الكاتب أمام اختبار الموهبة وقوة السيطرة والتركيز على سرده، ولكنه قد تفوته الغاية والأهداف التي يرمي إليها من كل ذلك. إنَّ أنجح الروايات هي التي تنساب أحداثها بشكل مريح وتنقل قصد الكاتب وما يريد قوله فيها مما يمنحها بعداً جمالياً وفهماً لمجرياتها على مستوى القراءة أو النقد. 
لقد قرأنا الكثير من الروايات بل الكثير جداً، وميّزنا بين الروايات المكتوبة لغرض الكتابة وإثبات الوجود ليس إلا، وبين تلك التي تمنح المعنى والقصد والهدف الذي نبحث عنه. ومن ثم فإنَّ الروايات التي تكتب لغرض تسويد بياضات الورق وتأخذ وقتا وجهداً من الكاتب، ربما لا تعطي الفهم الواضح المتوخى منها وستؤول إلى رفوف المكتبات من دون أن يلتفت إليها أي أحد. 
إنَّ هذه المحنة التي نجدها قد لا تعطي الكاتب حقه رغم كل ما كتبه ولا أعتقد بأنَّه يستطيع معالجة الأمر بعد ذلك لأنَّه لا يستطيع ترميم جسد الرواية المنقوص. في حين تكون الروايات التي تنتج أفكاراً ومعطيات ونواتج واضحة ونهايات مفهومة وأسئلة لقضايا معينة، هي التي ستقرأ بشغف وستبقى في الذاكرة لمدة طويلة وسيكون الكاتب قد حجز له مكاناً في قائمة الكتاب المتميزين. فلو عدنا إلى سيل الروايات الهادر المكتوبة منذ عقود وحتى اليوم، سنجد أن تلك المكتوبة بنفس واضح وسرد سلس وميسّر وسهل وواضحة الفكرة، هي الباقية في الذاكرة، لأنّها ستعطي فسحة من التخيّل لدى القارئ وتغرقه بالفائدة على أساس العاطفة المتبادلة وقوة البناء وتفعّل العقل والتفكير وايجاد الأجوبة لكل ما طرحه الكاتب. 
وأعتقد بأن الأفكار والرؤى المتزاحمة داخل السرد من دون تبويب أو توجيه أو ترتيب وبلا صراع معروف، ومن دون أن نعرف كنه المقصود منها، ستكون مجرد سرد لا يعطي متعة القراءة المنتظر منها ومضيعة للوقت ولا يتعاطف معها القارئ أو ستمنحه فسحة من الخيال التي يرغب. إنَّ حجم الرواية والتي تدخل في متاهات من اللغة الباذخة والمشاهد الكثيرة والأحداث المتزاحمة وكثرة الشخصيات، لا يعني بالضرورة أن تكون الرواية متميزة أو ستدخل قائمة الروايات الخالدة، مالم تكن مفهومة من قبل الكاتب أولا قبل القارئ أو الناقد لأنّها يجب أن تدخل حيز المضمون المكشوف الواضح والمقبول قبل إصدارها. 
إنَّ الرواية باعتبارها إحدى فنون الكتابة السرديّة التي يعصر فيها الكاتب أفكاره وموهبته من أجل إنتاج متميز، ينتظر منها أن تفتح النوافذ والدروب، للحياة والواقع الأكثر جذباً، فضلاً عن حواراتها الممتعة الساحرة وتنوع الأمكنة التي تتجول بها والأزمنة المتغيرة وفق تجدد المشاهد. ناهيك عن أنها تمنح آليّة خاصة لإطلاق الخيال والحلول وتوقع النهايات.. إنها روايات تخاطب العقل وتفكك دهاليز الغموض وتحلل النوازع البشرية وتضيف الأشياء الجديدة التي يتمنى القارئ أن يجدها ويتمسك بها وتأخذه بعيدا للتفاعل والتعاطف مع الشخصيات حتى بعد انتهاء القراءة.  حتى أن بعض الروايات الآن توجهت نحو السرد المحمل بالمعلومات وفك الأحجية والألغاز التي تضيف للقارئ واقعاً لم يألفه من قبل، تجعل منه مشاركاً في وضع الحلول ومعرفة الأجوبة التي يبحث عنها، فضلاً عن أنها ربما تكون محمّلة بفلسفة خاصة تعكس الوجه الآخر للكاتب وتجعل منه كائناً موجوداً بأفكاره وأسئلته بين ثنايا سرده.