الهروب من الحرية

الخميس 28 نيسان 2022 220

الهروب من الحرية
  ميادة سفر
 
 لا يجد الإنسان أنّ حريته مقيدة عندما يلتزم ويتقيد بالقانون العام، لأن الإرادة الخيّرة الطيبة تؤمن بأنّ القانون خير ولا يؤمن بالخير إلا كل ما هو خيّر، لذلك تجد أنّ تقيدك بالقانون هو أسمى أطوار حريتك، لأنه إنما يعبر عن إرادتك الخيرة الواعية الملتزمة بحدود الآخر واحترامه، حينها لا تجد نفسك تمتثل للقانون بل تتمثله.
لكننا نحن شعوب هذه البقعة الجغرافية من العالم لم نتعلم من الحرية إلا ذلك القول الذي لطالما رددناه وكتبناه على سبورات صفوف مدارسنا بأنّ "حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين" دون أنْ نسأل أنفسنا هل مارسنا تلك الحرية التي يطالبوننا أن نوقفها احتراماً لحرية الآخر؟!! أم أنهم اختصروا الحرية ببعض الممارسات الحياتية التي لا تتعدى الحي أو الشارع الذي نمشي فيه، متناسين تلك الأكثر جدوى والتي بإمكانها أن تغير الحياة بشكل جذري.
لطالما تاقت شعوبنا إلى الحرية، وفي كل فرصة تأتيها تنهض وتصرخ وتنادي، وفي نهاية المطاف يأتي من يقطف الثمار، يعتلي المنابر، ويتغنى بالمنجزات، يلتقط الصور، ويجري المقابلات، ولا يبقى من مطالبات الشعوب إلا الشعارات، بينما تزداد القيود بحجة فرض الأمن والنظام، وتكّم الأفواه "لأن الوقت غير مناسب للانتقاد"، وتكسر الأقلام التي لا تمجد.
على الرغم من أنّ أغلب؛ إن لم تكن كل دساتير العالم تنص على صون حرية الأفراد في التعبير عن الرأي وحقهم في الحياة والمعتقد ووو...إلخ، إلا أنّ البعض منها في المقلب الآخر تصدر القوانين تلو الأخرى التي تقيد بها تلك الحقوق وتضع شروطاً أشد قسوة لممارستها، فضلاً عن العقوبات القاسية التي تفرض على منتهك تلك القوانين، "حرية الرأي" على سبيل المثال، وإن كانت مصانة بموجب الدستور "القانون الأعلى في البلاد"، إلا أنها مقيدة بحدود عدم المساس بالسلطات القائمة في البلاد، سواء تلك السياسية أو الدينية، فأين الدستور 
مبادئه؟
 لسيت بلادنا الوحيدة التي تضع قيوداً على حريات أفرادها، لا سيما تلك التي من شأنها المساس بالسلطة بجميع أشكالها، لكنها بكل تأكيد ستكون الأفضل في تطبيق تلك القيود واختيار الأكثر شدة والأشد قسوة، والأكثر تفنناً في اختيار الطرق والأساليب التي تجعل الفرد يفكر ألف مرة قبل أن يقوم بعمل أو ينطق بكلمة أو يخرج في "مظاهرة"، فلا خيارات بين يديه يمارس من خلالها حريته، ولا طرق متعددة يقرر بإرادته أيها يسلك، طالما أنَّ السلطات وليس القانون هي من تتحكم وتحكم.
أن تكون حراً يعني أنك أكثر إنتاجية في العمل، أكثر وعياً، أكثر صحة نفسية وجسدية، كل تلك الأمور تنعكس إيجاباً على المجتمع الذي تعيش فيه والدولة التي تنتمي إليها، لذلك من واجب الحكومات مراعاة تلك الأمور في حال رغبت أن ترتقي بمواطنها ومجتمعها، وإلا تغدو حياتنا هروباً إلى العبودية، هروباً من الحرية.