حقائب سلام عمر غربة بلون الهجرة

الأحد 08 أيار 2022 305

حقائب سلام عمر غربة بلون الهجرة
 خضير الزيدي 
 
أنتج الفنان سلام عمر، في فترة متقاربة، أكثر من أربعين عملا فنيا. 
تجلت صورتها بشكل حقائب من مادتي الخشب والاكرليك، وهي مشروع لمعرض فني تتعلق رسالته بطبيعة هجرة أشبه ما تكون بالقسرية جراء الإرهاب والاقتتال والجوع الذي أحاط بالإنسان العربي، وهي من منظور إنساني خالص، لما تشكله قضية الهجرة من تراجيديا لحياة قاسية عاشها إخواننا المسيحيون والإيزيديون وغيرهم. 
امتزجت تلك المكونات الفنية (الحقائب) بطريقة ورؤية جمالية، ولهذا تثير متانة تلك الأعمال وأسلوبيتها في نفس المتلقي ثراء من نوع مختلف تبين في أساسها البنائي والشكلي، كأنها خطوط جمالية بألوان براقة أقرب للتنظيم والاشتغال البصري والإشهاري. 
فكرة عمل حقائب تشير لأحداث مأساوية ليست فيها مغامرة لأنها مستوحاة من الواقع وتعمل على بث إحساس لم يكن ذات يوم منفردا إنما هو إحساس إنساني مشترك، لكن سلسلة تلك التراكيب الفنية وحمولاتها الدلالية هي ما تشغلنا، لأن مهمة التمثيل على هذا المستوى من البنائية الشكلية وتخليق هذه الأعمال الفنية تضعنا عند مهارة الفنان وفكرته المغايرة، فالحقائب لم تكن سوداء لتشير إلى تلخيص الألم والإحساس بالنهاية، توجد علاقة جمالية في نماذج الحقائب كأنها ميراث لخيال خصب يستجيب لفكرة بقاء الإنسان برغم تشرده، وهذا الإلهام يجعل فكرة المعاينة لإنتاج الحقائب ترجّح فكرة البقاء على الموت، وهي معادلة صعبة قابلة للمقاومة بشكل جمالي يلفت أنظارنا إليه . 
وفق ما تقتضيه الفكرة تكون أصالة العمل مرجعية لسمات محلية، طبعا على مستوى مخطط له مسبقا ومدرب على مخيلة خبرت فعل الفن وفهمه منذ العقد الثمانيني . 
سلام عمر يريد إيصال غاية توازن مقدرة ما يعرضه أمام مخيلة المتلقي، مناطق لم تكن حساسة من حيث التعبير الفني لكن لها ضرورة تنسجم مع لحظة وجد مشدودة مع انفعال بصري كأنه يريد توضيح خريطة الهجرة وأسبابها، وكذلك محاربتها لما تمثله من انتكاسة إنسانية مؤلمة. 
الحقيبة ليست للزينة والبهرجة، إنها تستحوذ على وضوح مغامرة هجرة الإنسان من بيته وأهله ووطنه، لهذا نجد أشكالا هندسية واتجاها شكليا ذات طبيعة تجريدية في بنائية تلك التكوينات، كأنها ذات إيقاع خفي وفاعل مرتبط بالحدث وأيضا مناهض لفكرة الهجرة، لنتفق أنها تكوينات ذات طبيعة وقوام هندسي، لها مركزية تجذب الناظر وتتجلى بوضوح في مظهرها العام. 
ثمة شعور فني يكسبنا قدرا من الاهتمام والموضوعية يتركز بالتوازن بين فكرة الهجرة وإعطاء دلالة الحقيبة، أمام نسق من الألوان التي تكشف عن ثراء نفسي جراء التجانس في مثل هذه الطريقة التي تعيدنا إلى أعمال سابقة لسلام عمر ركز فيها على شكل من فنه اتبع فيه طريقة الحرق وتعدى غرضها إلى المخاطبة المباشرة أمام المتلقي، لكن هذه الفكرة وجدت لتكون نموذجا مختلفا يوجه إليه انظارنا، يكمن في لعبة شكلية قابلة للتأويل، وهذا ما يجعلني أتذكر مقولة (ستيفن برسفيلد في كتابه (حرب الفن) اللحظة التي يتحول فيها الفنان إلى محترف لحظة ملحمة / الهاوي يعتبر اللعبة هوايته والمحترف يعتبرها مهنته .. مهنة سلام أن يثير فينا فنا قابلا للتأويل يتصف ببنائية أشبه ما تكون بالمعقدة من حيث الشكل الخارجي، لكن محتوى تلك المنجزات الفنية يوثق لمواقف حساسة ورؤية توازي الواقع، فهو لا يتعذر من أن يقول ما يجول في نفسه لكن عبر فن يرجح الحقيقة على التلاعب بالمشاعر في مثل طريقته الخاصة بالحقائب، نرى مظهرا بصريا يمارس فيه الفن التجريدي ليس باضطراب إنما بتأمل ومنطق يحفزنا لقراءة هذه الثنائية الضدية (الهجرة / مقابل متعة البقاء )، إنه ينطلق من تشخيص الفكرة ليس بوصفها مؤشرا لحدث إنما يعيرها انعكاسا لسلوك، تشترك فيها وظيفة وغاية فعل الهجرة القسرية، إنه يختصر مأساة المهاجرين بعنصر واحد له دلالة صريحة في خضم ما تتصاعد فيه دوامة الموت المجاني، يقترب من ذلك العنصر، يمنحه تنظيما ودلالة ويختار له معالجة هدفها إيصال المدلول. 
إننا إزاء فن بصري مليء بالسيمياء، يفرض علينا ضربا من المخيلة مثلما يصنف أمامنا بأنه نسق لرؤية تناهض القبح والموت.