الحياة تجاهلٌ متواصل للعيش

الاثنين 09 أيار 2022 261

الحياة تجاهلٌ متواصل للعيش
 كاظم جماسي 
كل منا، أخي القارئ، يحتفظ في ذاكرته، ويترسب في وعيه أو لا وعيه، صورة ورأي عن مكانة وقيمة المرأة بنحو عام، والمرأة في العراق بنحو خاص، ومن الطبيعي أن تتعدد الصور والرؤى على وفق تعدد مستويات الوعي، ولكن، وأنا أجزم هنا، ما أن تمضي في قراءة صفحات كتاب «الرحلة الناقصة» للمناضلة والكاتبة العراقية السيدة فاطمة المحسن، وهو كتاب سيرة، ستحصل على صورة أكثر نصاعة ورأي أكثر عمقا.
بثماني «موتيفات» [ومعنى موتيف: فكرة أساسية أو جملة موسيقية حسب «غوغل» معجم المعاني]، وفصل تاسع يختص بتاريخ شراكتها الروحية والوجودية مع رفيق عمرها، الحافل بالآلام والضنين بالمسرات، زوجها المفكر العراقي الكبير فالح عبد الجبار، وفصل عاشر ذاكرة صور.
في الموتيف الأول يطفح عوز الروح الحاد إلى الاستقرار/ الطمأنينة، من ذعر قار على الدوام من الموت، فما بين بغداد/ الجحيم ولندن/ الملاذ، مرورا ببيروت المدينة «الهشة التي تشبه حلوى «شعر بنات»، تتمظهر الرحلة بأحوال ومقامات شتى، لتمنحنا المحسن باكرا واحدة من أهم الخلاصات»، نحن لم نتعلم سوى من الأحلام، فالحياة تمر في خاطرنا ببصر كليل، وفي نهاية المطاف، نسأل أنفسنا كما سأل الشاعر قبلنا: أين الحياة التي أضعناها في العيش؟» ص12. 
 تتنقل بنا الكاتبة، وبنحو لا خيطي في سرد الأحداث، وبرشاقة لغة سرد طيعة، في الموتيفين الثاني والثاني مكرر والثالث أيضا الى بغداد السبعينيات التي “تحفر أنفاقها في وعورة أجسادنا، وفي وقوفنا بين الخطوط المتقاطعة لمتاهاتها” ص15. ثم الى بيروت التي “تشعر المقيم من الأجانب والعرب بما هو ضائع بين صورتين متداخلتين، الشرق والغرب” ص17. ثم الى دمشق التي “أحنُّ إليها دون المدن كلها التي مررت عليها في غربتي” ص148، وإلى الناصرية، مسقط رأسها ورحبة أحلام وشغب طفولتها وصباها، وكانت في كل تلك المدن التي أقامت فيها، متدفقة نشاطا وجوديا وثقافيا وحزبيا وإعلاميا، تمضي لتستذكر أيام عملها في مجلة “الإذاعة والتلفزيون” قليلا، وكثيرا في جريدة “طريق الشعب” مع النخبة الرصينة من مبدعي الستينيات والسبعينيات في الفكر والأدب والفن والصحافة، ثم في بيروت التي شهدت تأسيس “رابطة الكتاب والفنانين والصحافيين” للمنفيين العراقيين التي “شكلها فخري كريم بمعية سعدي يوسف وعدد من الكتاب البارزين.. “ ص32.
 كانت الرابطة فاعلة ثقافيا الى حدٍّ ما، أصدرت مجلة “البديل” التي رأس تحريرها لأول مرة صادق الصائغ، كما انضم الى الرابطة فيما بعد عدد كبير آخر من انتلجينسا العراقيين المعارضين وحضر مؤتمرها الأول العام 1981 “حشد من الكتاب والصحافيين من قارات الأرض، وجرى انتخاب سعدي يوسف رئيسا لها بما يشبه الإجماع” ص33. ثم تعرج على “شلة” لندن المؤلفة من عدد مهم من مبدعي العراق والاحتدامات التي احتوتها اللقاءات التي احتواها منزلها.. ثم تعود لتصف لنا الصورة المركبة والهجينة للحرب الأهلية اللبنانية التي أمسى لبنان أيامها أشبه بحلبة ملاكمة خارج قوانين لعبة الملاكمة لخصوم عرب وأجانب كل منهم يضرب تحت حزام الشعب اللبناني، تحت يافطات لا عد لها، وكلها تتخادم بالضد من لبنان وشعبه. ثم تنعطف الى تجربة اعتقالها إذ رفضت توقيع تعهّد البراءة سيء الصيت بشجاعة نادرة، وأضربت عن الطعام، حتى كادت تموت، وتم أستطبابها، مثلما كانت شاهدة على صمود وشجاعة نساء أخريات إزاء وحشية ضباع الأمن العامة، ومنهن من أعدمت أو غيبت الى الأبد.. ولكنها في النهاية، وبلحظة” صحو” نراها غير مبررة، تشعر بالندم! إذ تقرر”.. لذا كتب الشيوعيون هذا التاريخ المرير مقايضين به أجساد أناسهم بمجد لايساوي قبض ريح.”ص109.. 
تروي المحسن في الموتيفات” 4و5 و6 “ بنوع من التفصيل المقترن دائما بوجهة نظرها، أوجه أخرى من تجربتها الصحافية في” طريق الشعب” لنلمس مرارة وقسوة الصراع اللامتكافىء بين أجهزة البعث القمعية مع شريكها الجبهوي، كما رسمت لنا ماخلفته من أنطباعات شتى في نفسها، شخوص من زاملتهم من كبار الأدباء والصحافيين، ومنهم من ستلتقيهم لاحقا في الشتات، بعد رحلة هروب قاسية الى أيران بغية الوصول الى بيروت!
تقول فاطمة المحسن في الصفحات الأول من موتيفها السابع في واحدة من خلاصات رحلتها “ الخروج الى المنفى قدر ما يشكل انقطاعا حادا في مسيرة الانسان، وعذابا ممضا في السنوات الأولى، فإنه يتيح فرصة عظيمة لتخلص المرء مما نسميه مشاعر محلية،.. وبمرور الوقت يتعود المهاجر رمي متاعه على أرصفة المدن من دون شعور بالخسران” ص168. في موتيفها الثامن سنعرف على وجه اليقين ان ما سطرته في موتيفاتها السابقة كله، كان سباقا مع الموت وتوكيدا لكينونتها قبل ان تطبق على أنفاسها الأخيرة مخالب السرطان .
وفي ختام رحلتها تلك تخبرنا” لعل الحياة في النهاية تجاهل متواصل للعيش، لن يدركه المرء إلا حين يصبح من أطياف زمن رحل ولن يعود.”ص201
كانت رحلة كاملة تامة بحق، بالنسبة لعراقية كابدت، فضلا عن التمييز الجندري، أبشع أنواع العذابات وأقساها، وقد نضحت هذه النتيجة مما سردت من وقائعها، بنحو مبهر لغة وأسلوبا ومحمولات، ولعل غياب حبيبها ـ زوجها المفكرالراحل د. فالح عبد الجبارهو ماجعلها تصف رحلتها بالناقصة، وهي في نهاية المطاف، بعد تمنياتنا لها بعمر مديد، رحلة أتسمت بمجد ناجز مدعاة للإعجاب والتقدير