في الحقيقة والواقع

الثلاثاء 10 أيار 2022 192

في الحقيقة والواقع
حسن العاني
في عمر سنتين توفيت والدتي رحمها الله، وتولى خالي رحمه الله تربيتي، فقد كانت زوجته عاقراً، ومنذ (فتحتُ عيني على الدنيا) رأيت خالي رجلاً عنيفاً، سريع الغضب، لا يتوانى عن استعمال يده بعنف، ومع إنه عاملني بدلال مفرط، كوني عوضته عن حاجته إلى الذرية، وأصبحت ولده الوحيد ولكنني كنتُ أخاف منه خوفاً غير طبيعي.. على أية حال في أجواء الدلال تلك، وفي مرحلة الدراسة الابتدائية – الصف السادس – اكتشفتُ بأنني ولد (موهوب)، وأن الأقدار تقف إلى جانبي، وتقودني نحو(العبقرية)، وحجتي في ذلك، أنّ الموضوع الذي أكتبه في درس الإنشاء (التعبير)، يحظى بإعجاب كبير من معلم اللغة العربية، حتى إذا انتقلت إلى مرحلة الدراسة المتوسطة، ومنذ السنة الأولى، دخلت خانة (العباقرة) باقتدار، ودليلي الدامغ على ذلك أنني بدأت أنظم الشعر العمودي، وكان أقراني الطلاب يرسخون في أعماقي فكرة (العبقرية الفذة) كلما قرأت عليهم قصيدة جيدة، وخاصة تلك الغزليات الاباحية، وهم يؤكدون أن شعر الرصافي لا يساوي فلسين أمام أشعاري!.
ما حصل ذات يوم، أن خالي دخل غرفتي فجأة ورآني منهمكاً وأترنم بإحدى قصائدي محاولاً الانتهاء من نظمها فسألني غاضباً [خو ما تكتب شعر؟!]، فرد عليه خوفي [لا.. آني احاول احفظ قصيدة.. عدنا بيها امتحان!]، ارتاح لإجابتي، وأوصاني بلهجة أمرية أن أبتعد عن الشعر لأن الشعراء (.........)،  كلام بذيء لا يصلح للنشر إلا أنه لم يستطع إيقاف أو تحجيم (عبقريتي الفذة)، فقد واصلتُ النظم، حتى إذا بلغتُ (الرابع الأدبي) كان منجزي الشعري (9) معلقات و(67) قصيدة و(8) مقطوعات شعرية لم تكتمل، وأذكر أن تلك الموهبة أو العبقرية، غيرت كل شيء في حياتي، أمشي بزهو مفتعل، وأمنح صوتي في أي حديث أو حوار نبرة الأستاذية، وبين جملة وجملة أخرى أستعمل عبارة (في الحقيقة والواقع).. الخ! 
مع المرحلة الأولى من دراستي الجامعية – كلية الآداب/ قسم اللغة العربية – سمعتُ لأول مرة مفردة (العروض) ثم (بحور الشعر) ولذلك حملتُ أفضل قصائدي وقصدتُ أستاذ العروض، وقلتُ له في حديث خاص بيننا [دكتور.. في الحقيقة والواقع، أنا أنظم الشعر منذ زمن بعيد، ويشرفني في الحقيقة والواقع أن اسمع رأيك!]، فرح الرجل وقرأ القصيدة، وفجأة نظر إلي وابتسامة تعلو وجهه وقال [في الحقيقة والواقع، هذا ليس شعراً بالمرة، وأنت لست موهوباً ولا تمتلك أذناً موسيقية]، وبين مصدقٍ ومكذب، سألته [ماذا تنصحني دكتور؟] [أنصحك أن تمزق كل ما كتبته حتى لا يقوم بعض الشعراء الحرامية بسرقة جهودك]، في الحقيقة والواقع نفذت نصيحته بحذافيرها.