بعد أن ازدادت في الآونة الأخيرة من هو المسؤول عن ظاهرة المعدلات العالية للسادس الإعدادي

الأربعاء 11 أيار 2022 476

بعد أن ازدادت في الآونة الأخيرة من هو المسؤول عن ظاهرة المعدلات العالية للسادس الإعدادي
   علي غني
أصبح معدل (99.8) لطلبة السادس الإعدادي بفروعه كافة (العلمي والأدبي والزراعي والصناعي والتجاري) أمراً عادياً في السنوات الأخيرة، لا بل وصل مع الإضافة إلى أكثر من (100) درجة، هذا الأمر أثار انتباه التعليم العالي قبل التربية، فالتعليم العالي بدأت توزع الزيادات الحاصلة بأعداد الطلبة بين التعليمين الموازي والأهلي لضمان حصولهم على الكليات الطبية، وبدأت كليات الطب تختنق بالأطباء الجدد، والتربية تندهش من كثرة المعدلات العالية، وما بين الوزارتين هوة، ربما تدفعنا للوقوع بها، أو نجد التفسير المناسب لحدوثها، فلماذا ازدادت معدلات التسعينيات في السنوات الأخيرة، بل وازدادت أكثر بعد (كورونا)، فتعالوا معنا.
إحصائيات
بلغ عدد الطلبة الحاصلين على (معدل ٩٥ فما فوق) في العام الدراسي ٢٠١٨-٢٠١٩، (١٠٥٩٣) في حين بلغ عدد الطلبة الحاصلين على معدل (٩٥ فما فوق) للعام الدراسي ٢٠١٩-٢٠٢٠، (١٠٩٠٠)، بينما بلغ عدد الطلبة الحاصلين على معدل (٩٥ فما فوق) للعام الدراسي ٢٠٢٠-٢٠٢١، (٢٢٥٣٧)، وتشير الإحصائيات لأعداد الطلبة الذين حصلوا على المراتب الثلاث الأولى على مستوى العراق للعام الدراسي ٢٠٢٠-٢٠٢١، فقد بلغ عدد الطلبة الذين احتلوا المركز الأول (١٨٨) طالباً وطالبة بمجموع (٥٩٩)، في حين احتل المركز الثاني (٢١٥) طالباً وطالبة بمجموع (٥٩٨) بينما بلغ عدد الطلبة الذين احتلوا المركز الثالث (٣١٥) طالباً وطالبة بمجموع (٥٩٧)، وعلى القارئ أن يتأمل ارتفاع المعدلات بنحو لافت للنظر.
 
تكييف المناهج
يرى مدير الامتحانات في الكرخ الثانية الأستاذ عبد الكاظم الكعبي أن ظاهرة التفوق التي برزت في السنوات الأخيرة، ناتجة عن اتجاه الطلبة إلى التدريس الخصوصي منذ نجاحهم من الخامس العلمي أو الأدبي، أو أي تخصص آخر، كما أن الوزارة، ومن منطلق الظروف التي يمر بها الطلبة، لاسيما الجائحة، جعلت الأسئلة الوزارية من المنهج المقرر بنسبة(١٠٠ ٪)، لذلك فإن أغلب الطلبة ينالون الدرجات العالية.
وأيده مدير الإشراف الاختصاصي في تربية بغداد الرصافة الثالثة الدكتور قاسم كاظم، مضيفاً: أن تكييف المناهج هو الآخر أسهم في حصول الطلبة على الدرجات العالية، كما أن حصول الطلبة على الوقت الكافي في الامتحانات الوزارية، إلى جانب أن الأسئلة من ضمن المنهج المقرر، بحسب توجيهات وزارة التربية.
 
سهولة الأسئلة
وذهب بعيداً الأستاذ حسين علي ناصر المدير العام لتربية الرصافة الثالثة، إذ قال: إن أغلب الأسر العراقية ذهبت باتجاه الدروس الخصوصية، وهذا تحول كبير في تفكير أسرنا الكريمة، صحيح أننا نرفض هذا الأمر، ونعده حجر عثرة في المشروع التربوي، الذي هو ملك الجميع، لكن الإفادة منه حصول الطلبة على الدرجات العالية.
وتابع العبودي: أن أكثر الأسر أصبحت تهتم بمستقبل أبنائها الطلبة، لذلك نرى الآباء خلال العطلة ما بين الخامس والسادس، يحثون أبناءهم على إكمال المادة والالتحاق بالتدريس الخصوصي، وهذا الأمر خلق حالة من التنافس غير المسبوق، لا سيما في الكليات الطبية والهندسية، وكأن العالم كله (هندسة وطب)، فضلاً عن تكريم الأوائل والمدارس، وهي محفزات تدفع المدرسة والطلبة للتنافس.
ويمكن أن أضيف سبباً آخر (والكلام للعبودي)، هو سهولة الأسئلة واختلافها الجذري عن السنوات السابقة، والتي يحتاج فيها الطلبة إلى التفكير الإبداعي، لكن الجائحة أثرت بنحو كبير في العالم وليس العراق فقط.
 
تدريب الملاكات
وعزا مدير الإعداد والتدريب في تربية الكرخ الثانية الأستاذ علي اسماعيل زاير حصول الطلبة على معدلات عالية، للتدريب الجيد للملاكات التدريسية في المديريات العامة للتربية بصورة عامة، ما انعكس ذلك ايجاباً على نسب النجاح، مديريتنا وحدها دربت أكثر من (٤٠٠٠) معلم ومدرس، وما يقارب (٣٠٠) مشرف تربوي واختصاصي، وهذا معناه أننا تواصلنا مع المناهج المقررة ومستجداتها على الرغم من استمرار جائحة (كورونا).
 
نوعية الأسئلة
وبين المشرف الإداري في تربية الكرخ الثانية الأستاذ فيصل مدلول، أن ظاهرة حصول الطلبة على المعدلات العالية تعود إلى تقليص المنهج للمواد الدراسية لطلبة الصف السادس الإعدادي بفرعيه العلمي والأدبي، إذ تم حذف ما يتجاوز ٣٠ ٪ من المنهج، فضلاً عن تعليق مادة التربية الإسلامية، وكذلك نوعية الأسئلة التي وصفت بكونها مرنة وبمستوى من السهولة، ما أتاح للطلبة تحقيق معدلات عالية، بالإضافة إلى تكرار الكثير من تلك الأسئلة من الأعوام السابقة، وإن وجدت أحياناً في بعضها فروع غير مطروقة سابقاً، فإنها كانت تأتي من أسئلة الكتاب وبشكل (نصي) مع احتمال تغيير في منطوق السؤال أحياناً.
 
مبالغ مجزية
ويضيف (مدلول)، أنه للأسف الشديد هنالك مخالفات لا تستند إلى قوانين معتمدة في النظام التعليمي في العراق وكمثال على ذلك إضافة خمس درجات لذوي الشهداء وبالرغم من أننا نتفق جميعاً ولا نختلف بأن الشهداء يستحقون منا كل التقدير وعظيم العرفان لهم ولأسرهم الكريمة، إلا أننا لا نرى من الإنصاف أن تتم إضافة تلك الدرجات، لأن ذلك يخلق الكثير من الارباك وزيادة المعدلات بدون سند قانوني مقبول، وكان الأجدر بمن فكر و قرر أن يتم تعويضهم بنحو مادي خلال فترة دراستهم بمبالغ مجزية وبنحو منصف للجميع بدلاً من إضافة تلك الدرجات. 
 
تعدد الأدوار
كما أن تعدد الأدوار للامتحانات ونظام الإعادة في كل المواد يمثل مخالفات لا يوجد في نظام التعليم أي سند لها، ولعل من اقترح تلك الفقرات غاب عن ذهنه أن أصحاب القرار يجدر بهم أن يلتزموا بالقوانين أكثر من بقيه طبقات المجتمع، وألا يخضعوا إلى ضغوطات الشارع التي أحياناً تكون فيها مخالفات قانونية بحكم الجهل بالتعليمات والقوانين وأحياناً تفضيل المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة، خصوصاً إذا علمنا أن تعدد الأدوار ونظام الإعادة فيه استهلاك لعامل الوقت واستهلاك للموارد المادية وإرباك لتوقيتات التقويم السنوي للأعوام الدراسية والتي يفترض بنا الالتزام بها من أجل تنظيم العمل في المجال التربوي.
 
المعاهد الخاصة
وتابع (الاستاذ فيصل) وهو المعروف بمتابعته لشؤون التربية في المدارس: لا يمكن أن ننسى أن الكثير من الطلبة في الأعوام التي سبقت جائحة كورونا كانوا يعتمدون القراءة والتحضير لمرحلة السادس الإعدادي من العطلة الصيفية للمرحلة التي سبقتها، إذ يبدأ الكثير من الطلبة بالتسجيل في المعاهد الخاصة بالتدريس الخصوصي، وهذا يتجلى بوضوح من خلال بدء الطلبة بالتسرب من إكمال الدوام في المدارس بعد الشهر الثالث (شهر آذار)، وهو يقترب من فترة العطلة التي تسمح لهم بالانقطاع عن الدوام، ومما يسهل ذلك تهاون الكثير من إدارات المدارس في تدوين غيابات الطلبة، واحتساب تلك الغيابات وبالتالي فتح الأبواب وبشكل مشروع إلى أن يصبح التدريس الخصوصي حالة مستشرية في مجتمعنا الذي كان بعيداً كل البعد عن هذه السلوكيات المستحدثة، ولعلنا لا نظلم طلبتنا الأعزاء في هذا الجانب، لأنه وللأسف الشديد الكثير من إخواننا وأخواتنا في الهيئات التعليمية أصبحوا يشجعون هذه السلوكيات سواء بالترويج للتدريس الخصوصي أو التسامح عن تسرب الطلبة وقبل انتهاء مفردات المنهج، معتمدين على التدريس الخصوصي وبشكل كبير.
 
تسويق العلم والمعرفة
 هناك أسباب عديدة (والكلام لمدلول)، منها وجود المنافسة من قبل الكليات الأهلية، خصوصاً أن الكثير من المتنفذين في السلطة باتوا يستثمرون في افتتاح الجامعات والكليات الأهلية والتي شجعت الكثير من الطلبة بحكم تدني معدلات القبول في تلك الجامعات مقارنة مع مثيلاتها في الجامعات الحكومية وللكليات نفسها، لا سيما الكليات الطبية والصيدلة، و قد يكون من أسباب ارتفاع معدلات القبول في الجامعات الحكومية لكي يتم الترويج لجامعاتهم سواء بقصد وعلم أو بغيرهما، فلم يعد يخفى على أي متابع لشؤون المجتمع وتفاصيله أن يلاحظ مثل تلك الظواهر التي نقول وبمرارة سلبية، لأن أخطر ما يمكن أن يمر به أي مجتمع من المجتمعات هو تسويق العلم والمعرفة باعتبارهما سلعة يمكن أن تباع وتشترى.
 
انتباه!
يرى العديد من المختصين، أن على وزارتي التربية والتعليم العالي دراسة هذه الحالة بنحو علمي، وتشخيصها عن طريق الدراسات والبحوث الرصينة لوضع الخطط المستقبلية لمعالجة المناهج وفتح كليات خاصة بالمتفوقين، واستحداث دراسات غير الطب والهندسة لاستيعاب الزيادات الخاصة بالقبول المركزي، قبل أن يتحول العلم في العراق إلى معدلات، ولكن من دون فائدة.