خيانة الشعر

الخميس 12 أيار 2022 134

خيانة الشعر
كاظم غيلان 
تعريفات لا تحصى تلك التي قيلت عن الشعر، لكن الأبرز فيها ذلك الذي يرى الشعر قضية، ولأنه هكذا فمن المحرمات خيانته، لا سيما أنه انعكاس لحياة شاعره بما فيها من أفكار وطموحات وانتكاسات ونجاحات و.....الخ. حدثني الراحل الفنان رياض أحمد في حوار صحفي قصير أجريته معه نهاية الثمانينيات، ونشرته في مجلة (صوت الفلاح) إذ كان الصديق عادل العرداوي يشرف على صفحات ثقافتها الشعبية، أجاب رياض بصراحته المعهودة عن أسماء طلبت رأيه فيها، وحين وصلت إلى اسم الشاعر جبار الغزي أجاب:
- غريب الروح .. ومات غريب الروح.
وحدثني عما حصل له بشأن أغنية (غريبة الروح) وكيف غادر الاثنان رياض وجبار إلى كربلاء للقاء ملحنها الفنان محسن فرحان، إذ كان يقيم هناك ويعمل في مديرية النشاط المدرسي للاتفاق بشأن الأغنية، إلا أن الغزي امتنع عن حذف أو استبدال البيت القائل:
- لا طيفك يمر بيهه .. ولا ديره التلفيهه- ولم تتزعزع قناعته أو اصراره على بقاء البيت، وهكذا أصبحت أغنية من رصيد الفنان حسين نعمة، وبرغم ثقتي المطلقة برياض إلا أنني سألت ملحنها الصديق محسن فرحان قبل أكثر من عام عن تلك الحادثة وأكد لي صحتها. جبار الغزي حقاً قضيته الشعر، ولذا لن يفرط بها ولن يتنازل عن إيمانه وتمسكه بجوهرها، كل ما كتبه كان غاية في الوفاء لعذابه وتشرده وتمرده، يكتب ليكشف عن مدى التصاقه بما يلفه من حزن وانكسار، حتى كأنه يجاري صرخة محمد الماغوط يوم قالها: (الفرح ليس مهنتي) فراح  يصرخ  باحتجاج هو الآخر:
(يكولون غني ابفرح .. وأنا الهموم اغناي!).
في حياة جبار القلقة ثمة غائب يحمل مفاتيح خلاصه المستحيل، ثمة انتظارات، وأحلام شاردة، هلال يصر على النأي حتى حينما يكتب مقترباً من الغزل : (ع الحواجب يلعب الشعر الحرير)، فتجده يسأل بعذاب ومرارة ونكث مستمر لمواعيده:
(واعدوني ..وطال ليلي وما اجه اهلال الوعد.
اطباعهم طبع الحمام شلون يرضون البعد.
بين شوكي والصبر كلبي شيصير؟)
لم يتنازل جبار عن عذابه المفرط، إذ يجد فيه جوهر موهبته، ولم يدفعه العوز لأي تنازل عن أي من مفردات حياته التي أخلص لها شعراً.البعض ممن يكتبون الأغاني تملى عليهم أو تقترح موضوعات كأن يكون صاحبها مطربا أو صاحب شركة إنتاج، ولربما حتى متعهد حفلات، وينسجون عليها (أغاني) وبهذا يأخذ مهمة (كاتب طلبات) بل وأدنى.  فمن يتقبل العبودية إنما يمارس خيانة الشعر، لأنه خان ذاته وراح يستعير أو ينتحل حياة ليست حياته، ويتقمص مشاعر ليست مشاعره. كم وفياً مخلصاً لحياته كجبار الغزي يحتاجه الشعر، وتحتاجه الأغنية؟. لعل من وجدوا ضالتهم في برامج 
(الحزورات) لديهم الإجابة.