أبنيةُ العراق التاريخيَّة والتغير المناخي

السبت 14 أيار 2022 918

أبنيةُ العراق التاريخيَّة والتغير المناخي
  حنا لنتش 
  ترجمة: أنيس الصفار                                                
تتعرض بعض أقدم المباني الأثرية في العراق للتخريب بسبب التغير المناخي، إذ تعمل التراكيز الملحية المتصاعدة نخراً وتفتيتاً في الطابوق الطيني، وحيث تبري العواصف الرملية المتزايدة شدة وتكراراً تلك العجائب الغابرة. فقد عرف العراق منذ القدم بأنه “مهد الحضارة”، هنا ولدت الزراعة.. وهنا شيدت بعض أقدم المدن في العالم، مثل العاصمة السومرية أور.. وهنا تطور احد أول أنظمة الكتابة، وهي الكتابة المسمارية.
 
يضم العراق عشرات آلاف المواقع، من العصر الحجري القديم مروراً بالعصور الاسلامية، كما تبين “أوغستا مكموهان” الأستاذة المتخصصة بآثار بلاد ما بين النهرين في جامعة كامبرج.
تضيف مكموهان أن الأضرار التي تدب في مواقع مثل مدينة بابل الاسطورية سوف تخلف ثغرات في معارفنا عن التطور البشري وكيفية تطور أقدم المدن وإدارة الامبراطوريات والتغيرات الديناميكية في المشهد السياسي للعصر الاسلامي.
بلاد ما بين النهرين، واسمها الحديث العراق، يكثر فيها الملح، الذي يسميه السومريون (مون)، فالأملاح موجودة طبيعياً في التربة وما تحتها من ماء، وهناك نصوص مسمارية تتحدث عن صنعة جامع الملح كمهنة كما تصف استعمالات الملح في كل شيء، من حفظ الطعام الى الشؤون الصحية والشعائر الدينية. هناك مثل سومري يقول إن الضرورتين الأساسيتين للحياة هما الخبز والملح، يقول المثل: “حين يموت الفقير لا تعده الى الحياة، لأنه اذا ملك الخبز لن يملك الملح وإذا ملك الملح لن يملك الخبز”.
الملح الذي في التربة قد يساعد علماء الآثار تحت ظروف معينة، ولكن هذه المادة  المعدنية نفسها يمكن ان تكون مدمرة ايضاً، فالملح يعمل خراباً ونهشاً في المواقع التراثية بالفعل، كما يقول عالم الاثار الجيولوجي جعفر جوتري الذي يصف الملح بأنه “عدواني وهو قادر على تدمير المواقع والطابوق .. والرقم المسمارية .. وكل شيء.”
 
نقص المياه 
تتعاظم القدرة التخريبية للأملاح مع تصاعد تراكيزها جراء شحة المياه الناجمة عن تشييد تركيا وإيران سدوداً في أعالي مجاري الانهار، وكذلك عن سنين عديدة من سوء ادارة الموارد المائية والزراعة في العراق.
يقول احمد حمدان، وهو مهندس مدني يعكف على دراسة المياه في الأنهار العراقية من ناحية النوعية: “لقد بدأت الملوحة بالارتفاع في مياه شط العرب منذ اعوام التسعينيات.” وفقاً لملاحظات المهندس احمد استمرت فحوص مياه شط العرب، الذي يتكون من التقاء جريان نهري دجلة والفرات، بتسجيل تدهور مستمر من رديء الى رديء جداً عاماً بعد عام، وخصوصاً في العام 2018 الذي يطلق عليه وصف “عام الأزمة” حين تسببت مياه مالحة رديئة النوعية في ادخال 118 ألف شخص على الأقل الى المستشفيات في محافظة البصرة الجنوبية خلال موسم جفاف قاسٍ.
تضيف أزمة المناخ إلى المشكلة تعقيداً، لأن العراق سوف يزداد سخونة وجفافاً في المستقبل. تقدر الأمم المتحدة أن معدلات الحرارة السنوية سترتفع بحدود درجتين مئويتين بحلول العام 2050 تصاحب ذلك زيادة في عدد أيام الحرارة القصوى التي تتجاوز 50 درجة مئوية. في الوقت نفسه سينخفض معدل هطول الأمطار بنسبة تصل الى 17 بالمئة خلال مواسم المطر، كما سيزداد تكرار العواصف الرملية والغبارية الى اكثر من ضعفين (من 120 الى 300 عاصفة في السنة). في غضون ذلك ستدفع مياه البحر المستمرة بالارتفاع بلسان ملحي الى داخل العراق وعلى مدى اقل من 30 عاماً قد تكون أجزاء من جنوب العراق قد غمرتها المياه.
يقول جعفر جوتري، أستاذ علم الآثار في جامعة القادسية والمدير المشارك في شبكة “نهرين” العراقية البريطانية التي تجري أبحاثاً في التراث العراقي: “تخيل، معظم مواقعنا ستكون تحت المياه المالحة في ظرف السنوات العشر المقبلة.” منذ نحو عقد من الزمن بدأ الاستاذ جوثري يتنبه على الاضرار التي تحدثها الأملاح في المواقع الأثرية.
 
بابل وسامراء
احد المواقع التي تعاني من اضرار جسيمة مدينة بابل، عاصمة الامبراطورية البابلية المعترف بها من قبل اليونسكو. هناك يكتسي الطابوق الطيني الذي يقارب عمره 2600 عام بطبقات من اللمعان الملحي، وفي معبد آلهة الحب والحرب السومرية عشتار بدأت قواعد الجدران تتفتت وفي عمق الجدار السميك يتجمع الملح ويتركز قبل ان يأخذ بالتبلور متسبباً بتشقق الطابوق وتساقطه.
من المواقع الأخرى المتأثرة بذلك مدينة سامراء، وهي واحدة من عواصم العصر الاسلامي اشتهرت بمئذنتها الحلزونية التي تتعرض اليوم للتآكل بفعل العواصف الرملية، وأم العقارب بمعبدها الأبيض وقصرها ومقبرتها التي تبتلعها الصحراء رويداً رويداً.
 
جفاف ساوة
في هذا العام فقد العراق قطعة من تراثه الثقافي، فعلى حافة الصحراء وعلى بعد 150 كيلومتراً الى الجنوب من مدينة بابل، يلوح منبسط ملحي كان يدعى ذات يوم بحيرة ساوة. كانت هذه البحيرة التي تتغذى من مياه الينابيع موطناً لما لا يقل عن 31 نوعاً من الطيور، بينها مالك الحزين الرمادي ونوع من البط المهدد بالانقراض يسمى “البطة الحديدية”. بحيرة ساوة اليوم جافة تماماً بسبب فرط استخدام مياهها من قبل المزارع القريبة المحيطة بها وكذلك لظروف التغير المناخي. ضعف القدرة على فرض النظام والضوابط الخاصة باستخدام المياه الجوفية كان معناه أن بوسع المزارعين حفر الآبار بكل حرية ودون رادع لزراعة حقولهم بالحنطة التي تلوح مثل بقع فياضة بالخضرة وسط مشهد الصحراء المتربة.
يقول جوتري: “اتذكر أن ساوة كانت بحيرة كبيرة يوم كنت طفلاً، كانت كأنها البحر، لكنها اليوم قد ذهبت .. ذهبت تماماً ولم تعد عندنا بحيرة”.
اليوم تنمو نباتات الصحراء حيث كان الماء وحيث قدّر لساوة أن تتحول إلى مصدر آخر للعواصف الرملية.
 
عن صحيفة الغارديان البريطانية