مسك العصا من المنتصف

الأحد 15 أيار 2022 131

مسك العصا من المنتصف
 علي لفتة سعيد
 
دأبنا منذ أن تعلّمنا القراءة خارج المناهج الدراسية، وما كنّا نسمعه من الآباء، بضرورة مسك العصا من المنتصف، لنكتشف أن كل مناحي الحياة عبارة عن طرفين متناقضين متصارعين متنافرين متباعدين متخاصمين، وإذا أردنا تعداد الأمرين فإن القائمة تطول وأهمها الصراع بين الخير والشر، بين الإنسان والشيطان، بين الحب والكراهية.. إلخ. حتى إذا ذكر أي طرفٍ لا بدَّ أن يتواجد الطرف الآخر في المعادلة التفكيرية.
وبعيدا عن البعد الفلسفي وتأثير المقولة في أداب الشعوب الثقافية والسياسية وحتى الدينية، فإنها تعني الكثير من التحوّلات الفكرية المتناقضة أيضا والمتنافرة والمتقاربة والمتشابهة في الوقت نفسه. كونها مقولة تحوّلت من جانبها التأديبي الأخلاقي، الذي يعني الوسطية والاعتدال والابتعاد عن المعارك والمشكلات والبقاء في منتصف المسافة بين المتناقضين، وأن تكون مسالمًا لا تميل إلى كفّةٍ دون أخرى، لكنها في العمل الحياتي الذي شهد الكثير من المشكلات والمتغيّرات وما طرأ على المجتمعات من سلوكيات جديدة، تتطلّب في الكثير من الأحيان أن تكون هذه العصا مقياسًا لوضوح الرؤية، مثلما هي مقياسٌ لقياس المسافة ما بين الحقّ والباطل، والحقيقة والخيال، والصدق والزيف، وما يتشابه من هذه المقولات الكثير.
لذا يمكن طرح السؤال بطريقةٍ غير محايدة. هل هناك أهمية تأويلية لهذه المقولة إذا ما أريد للمثقّف تحديدًا أن يكون صاحب رأي وموقفٍ واتّزانٍ وإعلان الصراحة والتحديد والإشارة؟
أم أن الأمر يتطلّب دوما إمساك هذه العصا من المنتصف، حتى لا تميل الكفّة إلى جهةٍ محدّدةٍ فيحدث ما لا يحمد عقباه؟ 
هل هناك علاقة بين هذه المقولة والتقيَّة في الجانب الديني؟ 
هل هناك علاقة ايضا بين العصا كتربيةٍ وبين موقف المثقّف الذي يراد له أن يكون مؤثرًا كواجبه. والمثقّف هنا ليس الأديب فقط، بل هو ما يجمع كلّ من له علاقة بالوعي، سواء الأديب أو السياسي أو رجل الدين أو المنتج للوعي الثقافي والاجتماعي الذي يدخل في خانة إبداء الرأي؟ 
وهل تنتفي حاجة المثقف إذا ما لجأ الى مسك العصا من المنتصف، تاركًا من ينتظر الرأي ليقشّر له الحالة المراد إبداء الرأي فيها وحيدًا بلا وسيلةٍ تساعده؟ 
وهل يتطلّب من رجل الدين والسياسي مثلا البقاء في منتصف المسافة، فيترك الأغلبية التي هي دوما واقعة تأثير المقولات في المسافة التائهة؟
إن هذه المقولة ربما تنتفي حاجتها حين تكون الدولة في مأزق. وحين يكون الوطن معرّضًا الى ما ينتقص منه، وحين لا يكون هناك مجال لرأي تنتظره العقول المحتاجة، وحين يكون هناك فصلٌ تامٌّ بين طرفي المعادلة الواقعية. فلا منتصف حين تتعرّض البلاد إلى الحرب، ولا مسافة محدّدة حين يتعرّض المجتمع إلى هزّةٍ تحيق به، وتجعله في موقفٍ صعب. لذا سيكون السؤال. هل إن إمساك العصا من منتصفها صالح في الحالات؟ 
وهل المثقّف في كلّ توصيفاته المجتمعية عليه البقاء في المسافة حتى لو أدّى ذلك الى التضحية؟ 
إنَّ التاريخ لا يرحم المثقّف الذي بقيَّ على الحياد في المسائل الكبرى، وإنْ كانت الحاجة إلى هذه المسافة من العصا في العلاقات الاجتماعية، وهي تشبه حلال الكذب لإصلاح 
متخاصمين.