سياسة تحريك السكّين

الأحد 15 أيار 2022 118

سياسة تحريك السكّين
 حسب الله يحيى 
هناك سياسة جديدة تعرف بـ (تحريك السكين في الجرح) أعلن عنها كتاب ضابط أميركي يدعى رالف بيتر عنوانه (حدود الدم)، خلاصته أنه (بعد الشعور بالألم تبدأ في إهداء حكام للمنطقة وشعوبها؛ الحبل الذي يشنقون به أنفسهم)!
نعم هذا ما جرى ويجري في السياسة الاستعمارية على مر العصور، وليس في حاضر راهن الذي نعيشه الآن.
كلنا نريد الخلاص من سلطة دكتاتورية شمولية، فإذا بنا نقبل (بحبل) التغيير على اليد التي زرعت السلطة السابقة وفوضتها، ثم نقبل بـ (تحريك السكين في جراحنا) بعد أن شهدنا دموية التطرف والارهاب والموت الزؤام. لنرتضي (الحبل) في أعناقنا وهو يضغط على رقابنا بالمال الفاسد والحكم الفاسد والسلوك اليومي الفاسد. 
وتتسع رقعة تجاهل القوانين والأعراف والقيم، لتصبح الفوضى ترتضي القبلية والبداوة و(الحكمة المقدسة)، لحل مشكلاتنا وحل عقدنا التي لا حلَّ لها. 
نعم المشهد ذاته يتكرر بصور شتى وبمفاهيم مختلفة، وبشخصيات مستهلكة تجدد أقنعتها وتبسط وجودها علينا، كما لو إنها كانت أقدارنا التي لا فكاك لنا منها. 
اي حاضر هذا الذي نعيشه؟
نقبل بمن طعننا بسكين ملوثة، ثم يعود إلينا بتلويحه المصلح، رافعاً راية السلام والسكينة والعفّة. كما لو إنه بعث إلينا من سماء ما كان لنا أن نعرفها، ولا يراد أن نعرفها.
 جهلنا جهل مطلوب، فمن يعرف كمن يقود نفسه إلى النار، ومن يجهل فجهله مقبول ومحمود!
سياسة من قاتلنا نيابة، ونهب ثرواتنا في السر والعلن، سياسة من أحقَّ حقوق الانسان وتعامل معنا كما لو كنا خارج هذا الحق وهذه الحقوق. 
سياسة من قدر لنا الحصة التموينية كما لو إنها أقدارنا وأقدارنا الأزلية المنهوبة والمنقوصة والمذلّة، والتي تحمل منَة حكام علمونا كيف نقبل بزاد نتن ودواء عفن وسلوك لا يسلكه عاقل. 
نقبل أن نجوع ونقتل ونسرق ونعيش في جهل ومرض، نقبل بحبل الموت والجمرات واختناق الانفاس، ذلك أن سياسة السكين التي تعمل في الجراح. تعمل بحرية ولا من أحد يوقف حركتها، ولا من سبيل إلى منقذ لنا من سياسة هذه الحركة القاتلة، ولا من (حدود الدم) التي لم يعد لها حدود.
نحن نقرأ الواقع خوفاً ونحن نمني أنفسنا بعالم خالٍ من الخوف. حتى بات الخوف يحيط بنا من كل جانب:
خوفٌ من كراهية ليس لنا ذنب فيها، وخلاف لم نختلف فيه، خوف من مرض وهواء نتنفسه بضغط على أنفاسنا، خوف من جهل في ما نقبل بأقل من الأبجدية.
لذلك كله بتنا نقبل بسياسة السكين، التي تتحرك في جراحنا، لأن جراحنا قد زادت طعناتها، وأذى السكين ليس أشدَّ وطأةٍ مما نحن فيه من حال وأحوال!
السكين فقط يعمل لوحده، بينما نحن شهود على ما تفعله سكاكين الغش والعفن والفساد في حياتنا التي لم تعد حياة 
تطاق.