لينا هويان الحسن: أنا نرجس

الثلاثاء 17 أيار 2022 657

لينا هويان الحسن: أنا نرجس
 أجرى الحوار: كه يلان مُحمد
إذا كانت غاية معظم الفلاسفة تتمثل في بناء منظومات معرفية جديدة، وإرساء أنساق فكرية مختلفة على أنقاض القيم التي حاربوها فإن النجاح في هذا المشروع قد لايكون إلا من نصيب صفوة من هؤلاء المغامرين، لذلك فإن الكلام عن الفلسفة لا ينتظمُ إلا باستعادة نصوص الصفوة العظيمة ومن المعلوم إن البدايات العظيمة تستأنف باستمرار، ولكن ماذا عن "فريدريك نيتشه" وهو متناثر ولا يجمعه معمارُ فلسفي شامخ على غرار مواطنيه كانط أو هيغل أو ماركس، ما السر في هذا المغامر الذي لا يغيبُ عنه الضوء على مسرح التاريخ؟ ليس هناك سر بقدر ما هو تحول في وظيفة الفكر، إذ لم يعد دور العقل مع نيتشه هو إضافة مزيد من المومياوات الفكرية إلى الواجهات الزجاجية بل أسندت إليه مهمة التنقيب والحفر، ومن هنا يكون التفلسف بمنطق نيتشه معادلا للتقويض. والحال هذه فمن الضروري استعادة مقولاته التي تثيرُ نقاشاً بشأن هواجس الكائن البشري والأمرُ يزداد أهمية إذا تقاسمت المرأة مساحة النقاش مع صاحب "غسق الأوثان"، لينا هويان الحسن إضافة إلى كونها روائية نحتت اسمها في السردية العربية بأعمالها المتميزة كسبت دراية بالمسلك الفلسفي من خلال تخصصها الجامعي ومتابعتها المستمرة لهذا المجال، وهي وصفت نفسها بأنها نيتشوية الهوى وكان لها قول على أقوال مؤلف "العلم المرح" في إطار هذا الحوار.
 
*يقول نيتشه "أنا ديناميت" فماذا عنك؟
-عبارات مثل "أنا ديناميت، أنا زلزال، أنا بركان. ." عبارات لا تصبّ في غير خانة اشباع الغرور، واذا كان لا بد من المواجهة مع نيتشه سأقول له :(أنا نرجس) والنرجس لن يتصالح مع العشب، النرجس إبداع الينابيع، والنرجس يحب نفسه حتى النخاع، لست ضد ذلك ولم استهجن في يوم نارسيس وهو يعشق صورته في المياه، هكذا هي الحياة إمّا أن تكون نرجساً لا يرحم أو أن تتعفن في مستنقع إرضاء الآخرين.
 
*"أنا ذاك الشيء الذي يجبُ أن يتفوقَ على ذاته" هل يمكن ممارسة الحياة وفقاً لهذا المبدأ النيتشوي أو يصعبُ على الإنسانِ مراقبة نفسه وبالتالي لا يدري أين مستندات
تفوقه؟.
-هنا، أنا لست نيتشوية، أتفهم رغبة نيتشه بالهدم، لكن فكرة التفوق على الذات تتضمن حالة من الجلد الذاتي.
وهذا يتناقض مع كل منطقي في الحياة.
نعم، أتمسك بفكرة "الاستقلالية" التي يعدّها نيتشه امتياز الأقوياء. 
يحركني دافع الشغف والاستمتاع، وتبقى فكرة التفوق حاضرة لكن بنعومة ولطف، "الاستقلالية" كانت دائمًا وسيلتي لأجعل حياتي سهلة وبسيطة ونيّرة وطبعًا حرّة، حرّة دون ضوضاء أو صخب.
 
*إن المشكلة التي نجدُ لها حلاً لا تُعدُ مهمة لنا ماهي المشكلة التي لا حلَّ لها برأيك وما انفكَّ الإنسانُ يهتمُ بها ؟
-"الموت"، ونيتشه من دعاة نظرية العود الأبدي وهنا أنا في صفّ نيتشه، علمتنا الفلسفة مبكرًا، كيف لا نعيش حياتنا ونحن خائفون من الموت، بل إن التفلسف في جوهره هو تمرين على التحول، الانتقال، الذي يسميه البشر "الموت" لا موت في عرف الفلاسفة. 
فلنعد الى انكساغوراس الذي رفض نظرية ديمقريط الذرية، بينما لم يقلق سقراط من الموت وواجهه باطمئنان العارف، رغم أنه وضع احتمالين للموت لكنه كان مقتنعًا أن النفس تستقل عن الجسد وتحلّق إلى آفاق عليا ولا شك أن الإغريق كانوا على اطلاع بالميثولوجيات الشرقية، لأن رؤية بعض فلاسفتهم تتواءم مع رؤية الأساطير الرافدينية للموت، باختصار: هنالك عبارة أحبّها لتولستوي، (الشخص الذي لديه فكرة خاطئة عن الحياة ستكون لديه دومًا فكرة خاطئة عن الموت).
 
*"إنَّ الإنسان يُفضل وجود أي تفسير من عدم وجود التفسير"هل ينطبقُ فحوى هذه العبارة على نمط تفكيرك ورؤيتك للأشياء؟
- جوهر التفلسف تفسير، تفسيرٌ يعقب الشك رغم نقد نيتشه الصارم لديكارت كان نيتشه مع الشك لكن دون فصل بين المادة والروح، كل متفلسف يعلم أن "الكوجيتو الديكارتي" افتتح عصر الحداثة (أنا أفكر  إذن أنا موجود) وبالتالي أنا أفسر، تنشب المعركة في هذه النقطة بين المثالية والواقعية، وهنا ألوذ بالأب الحنون هايدجر الذين يرفض أن يكون الإنسان ذاتية مغلقة على نفسها، بل إنه انفتاح وتواجد، كذلك لم يكن يستخدم كلمة الوعي بكثرة بل كان يلجأ إلى مفردات مثل: الحس والفهم والمخيلة لتوصيف ملكات الوعي، الإنسان كائن مفسر بكل أشكال حضوره والخرافات والمعتقدات والأساطير والعلم كل ذلك وجد لغاية 
التفسير.
 
*"كي تجني من الوجود أسمى ما فيه، عش في خطر" هل المُغامرة بالعيش في الخطر آلية أمثل بالنسبة إليك لتحاشي الوقوع في نسخة هامدة من الحياة؟
-أسمح لي بمشاكسة نيتشه، أقول له: (كن أنت الخطر ومن حولك يعانون من حضورك)
الكاتب والخطر حبيبان شغوفان وأصعب أشكال المخاطرة هي الكتابة، الخطر هو دماء الكتابة من يكتب لن يكون مسالمًا قط. 
هنا أقصد المخاطرة الفكرية والسلوكية ولا أقصد أن تذهب لتقاتل في ساحة المعركة، فهذا في نظر الفلاسفة حماقة وتفريط بالحياة لا يقبله عموماً منطق الفلاسفة، أنا بريئة من أي ملمح طوباوي لا أؤمن باليوتوبيا، لربما بدت حياتي دائمًا عادية للمحيطين لكن الخطر هو عشيقي الذي أخفيه عن الأعين، وأتذكر عبارة لنيتشه وردت في كتابه "ماوراء الخير والشر" عبارة شمل بها نفسه: "نحن آخر الأبيقوريين"، وأنا هنا بالضبط، سأختم إجابتي بتشبيه فولتير للأديب بسمكة طائرة، إذا ارتفع قليلاً، التهمته الطيور وإذا غاص أكلته الأسماك.
 
*"عند بلوغ المرء مرحلة النضوج العقلي والحياتي يجتاحه شعور بأنَّ أباه قد ارتكب خطأً عندما أنجبه".. إذا سلمنا بأنَّ الحقيقة ليست ما يقوله النص بل ما سكت عنه فما هو المسكوت عنه في عبارة نيتشه؟
- نيتشه مزاجي، وصاحب نزعة عدمية، وكان يعيش نوبات يأس وغضب وتوتر ولا بد أن هذه العبارة وليدة هكذا مرحلة، لربما ثمة تبرير لعدم إنجابه لطفل فهو صاحب عبارات مثل: (كيف لمن لا يستطيع تأديب نفسه أن يؤدب طفلًا؟ فأي فائدة تحدث من الإنجاب بدون ارتقاء 
تفاضل فالحيوان وحده يفعل ذلك).
 
*"النسور لا تُحلق في السماء جماعات "هل يهمك أن تكوني خارج السرب  وماذا تُكلفك هذه 
الرغبة؟
- قال فيلسوفنا أيضاً (وأنت تخوض حربك المزعومة للتحرر من قطيع معين، إحذر الالتحاق بقطيع آخر دون أن تشعر) هذا لبّ الفلسفة، ألا تكون عصفورًا، مثلًا، في التحليق المنفرد ثقة ومخاطرة وترفع كذلك الاحتقار الذي تحدث عنه البيرتو مورافيا، نعم، سماء الجارح غيرها سماء العصفور. 
وهنا بالضبط المخاطرة إذا أردت أن تكون نسرًا عليك أن تثبت جناحيك على ارتفاع لا تصله غوغائية العصافير. 
سأدلي باعتراف بسيط يخرجني من جوقة العصافير مثلًا: لولا أنّ الأدب جلب لي سعادة لما كتبت.
هذا يثير حفيظة معظم من يتشدقون طوال اليوم على الفيسبوك بكتاباتهم عن قلقهم، وعبث الحياة وأن الحياة بلا معنى ويستقوون بعبارات لسيوران وكافكا وبيكيت، وبوكوفسكي والخ. 
قرأت كل هؤلاء دون أن أتأثر، قرأتهم من باب الاطلاع وليس الاعجاب. 
يكفي أن تصرّح ببعض أفكارك الايجابية لتزقزق العصافير.
وكأن الندب والشجب والقلق الوجودي موضة لا تبطل عند معظم الأدباء أو من يحسبون أنفسهم على خانة الأدب.
هنا بالضبط يلزمنا تحليق النسر المتعالي.
قرر: نسر أو مهرّج.
 
*"المرأةُ لا تموت من الحب لكنها تذوي بحثاً عنه" إلى أي مدى يعبرُ هذا الكلام عن حقيقة التكوين العاطفي لدى المرأة؟
-حدث وأن تأرجح بندول الحب وتحول إلى كره، ومقت نيتشه كل النساء لأنه كان يخشاهن في الواقع. 
حسنًا، هنا بالضبط زّل نيتشه.
نعلم جميعًا لو أنّ "لو أندرياس سالومي" وافقت على طلبه بالزواج منها لتغير كل مصيره.
عاش نيتشه مرفوضا من النساء وكلنا أيضًا نعلم غرامه المكبوت لزوجة فاغنر "كوزيما". 
نيتشه ذوى وجنّ بحثًا عن الحب.
والتكوين العاطفي خال من الفروقات الكبيرة بين الجنسين.
الرجال و النساء وكل الكائنات حتى السمك والشجر والغيم تبحث عن الالتقاء والحب.
 
*"التفكير في الانتحار وسيلة عزاء قوية، بواسطته يتجاوز المرء بسلام ليالي شؤم كثيرة" لو أردت اختيار بديل للانتحار بوصفه عزاءً على ماذا يقعُ اختيارك؟
-الحياة التقليدية هي بديل الانتحار، اعتذر سلفًا ممن قد يكمل قراءة هكذا حوار متفلسف ولئيم بعض الشيء، لا أحبّ إضافة أي شرح أو تبرير لأنني قد أزلّ في الممنوع ولا مزاج لي بإزعاج نفسي عبر إثارة مواضيع لا طائل من فتحها وإثارة النقاش بها فأنا "آخر الابيقوريين" وهدفي في الحياة "السعادة" وغاية الفلسفة برمتها أن تكون راضيا عن حياتك بعيدا عن وحل وطين المجتمعات الدبقة التي لا تتطور ولا تتغير.
 
*إنَّ صيغتي المبجلة للتعبير عن العظمة لدى الإنسان هي حب القدر، هل أنت من الصنف الذي يحبُ قدره؟
- نحن هنا أمام التعبير "الآمور فاتي" أي حب الأمر حب الشيء دون استسلام.
هذا المعنى الحقيقي للمصالحة مع الواقع، القبول المرح والفرح للواقع مهما كان شقيّا مع المحاولة الجادة لتحسينه أي أن نحب حياتنا هنا على هذه الأرض دون مواساة أنفسنا بأحلام طوباوية قد تقترحها المعتقدات أو الأيديولوجيات وغيرها.
لحبّ القدر عمق جمالي فريد وحياتي يومي ينقلك على بساط الريح.
أن تحب ما هو كائن.
وتستمتع بالممكن والمتاح الحكمة هي التصالح بين السعادة والشقاء هذا كله نيتشوي مستلهم مباشرة من الفلسفة الاغريقية، فهو يقول يجب أن نفارق الحياة مثلما فارق عوليس كوزيما: بشكران أكثر من حبّ.
أي الضيف الشبعان.
وهنالك عبارة أحبها لهذا الرجل: (سعداء اولئك الذين ينسون، لأنهم ينسون حتى 
حماقاتهم).
 
*ما تعليقك على وصف نيتشه لسالومي بأنها "مزاج قط مفترس في صورة حيوان أليف" ماذا يكون رأيه لو قرأ قولك على أقواله؟
-الفاتنون هم متلاعبون من الطراز الأول.
لو سالومي وصفها كاتب سيرتها بـ "المرأة الأوقيانوس" هذه الأوقيانوس كانت أوائل طالبات الفلسفة في جامعة زيورخ  في 
1879.
 ما أكثر النساء الجميلات لكن ما أقل المثقفات الحقيقيات بينهن والمرأة الجميلة عندما تجمع الثقافة مع السحر سينطبق عليها قول آخر لنيتشه قاله عن سالومي: ( لو، ثاقبة كالعقاب جسورة كالأسد) خسر نيتشه معركته مع المرأة ولم يكن من حسن حظه الوقوع بغرام امرأة بفرادة وندرة لو أندرياس سالومي التي اتقنت لعبة "الشيء المغري وبعيد المنال" وأوقعت في حبائلها ثلاثة من أهم مبدعي زمنها" نيتشه وريلكه وفرويد.
لمعت سالومي لأنها مغامرة إنها "نسر" وفق فلسفة نيتشه.
عاشت حياتها بحرية غير مسموح بها اجتماعيًا لكنها فعلت ما أرادت.
بذلت شقيقة نيتشه جهدا كبيرًا بإبعاده عنها ووصفتها بالمرأة غير الأخلاقية.
بينما في الواقع هي كانت قد ابتعدت ونيتشه تعلق بها بشكل جنوني وكانت أحد أسباب نهايته الأليمة.
لجأت سالومي الى زواج شكلي ورفضت التفريط بعذريتها قبل عمر الثلاثين وبعد ذلك عاشت حياة عشقية مفتوحة، مليئة بالترحال والمراسالات والإبداعات.
فلنتذكر بعض أقوال نيتشه عن المرأة:
"إن فنها الكبير هو الكذب وقضيتها الكبيرة هي الظاهر والجمال"
"تخرس المرأة حول ما يتعلق بالمرأة"
"الطباخات الرديئات، الحماقة في المطبخ"
فرويد وصف مخطوط كتاب لها اطلعته عليه: 
( هنا تقدمين شهادة عفوية على تفوقك علينا، تفوق يتطابق مع الذرى التي نزلت منها نحونا).
كانت "لو" في الخمسينيات من عمرها كذلك فرويد الذي تجنب مصير العشاق الذين سبقوه بسبب نضجه وضبطه لانجذابه نحوها فحافظ على علاقة محبّة وودية معها حتى النهاية.
لابد أن فرويد كان  قد عرف سالومي عندما كتب التالي: ( النساء النرجسيات هنّ أكثر من يسحر ويفتن الرجال على الإطلاق.. يمتلكن سحرا تماما كسحر بعض الحيوانات التي تبدو أنها لا تكترث بنا كالقطط. . )
هكذا أكون قد أجبت ضمنًا عن سؤالك.