الانسداد السياسي بين تحدي الفشل واحتجاج الجماهير

الأربعاء 18 أيار 2022 111

الانسداد السياسي بين تحدي الفشل واحتجاج الجماهير
 حازم رعد 
تحدٍ آخر يبرز في الواقع الاجتماعي - السياسي العراقي ألا وهو تأخير تشكيل الحكومة وضرب المدد الدستورية، وذلك يولد انطباعا عند المواطن وبالخصوص النخبة منهم، أن الطبقة السياسية الحاكمة لا تقيم أيَّ وزن لكيان الدولة ولا تعتبر بالدستور المدونة التي ينبغي احترامها والتقيد بموادها وفقراتها،
 
 وبالتالي ذلك قد يفضي إلى توليد شحنة عكسيَّة استجابة في الواقع من قبل الجماهير المتذمرة، ومن لها سابقة مشابهة على وجه الخصوص تلك الاستجابة تتمثل في [استثارة طفرة من الواقع «حدث رمزي انسداد سياسي مثلاً» وجعل النظام ينهار تحتها، كل سخرية الوضع، وفي الوقت ذاته «استخفاف» السلطة المستنفر يرتدان ضدها] بحسب استعارة من جان بودريار بتصرف، فإنه من الواضح أن الناس لا تفكر في الغذاء والحاجات المادية وحسب، فهناك استحقاقات ومتطلبات أخرى غير مادية تتعلق بالكرامة وتتمثل في احترام اختيارات المواطنين بصفتهم (ادلوا بأصواتهم في اقتراع عام) على أساس التزام الطبقة السياسية، لا سيما التي حظيت بمقاعد داخل المجلس النيابي بالتقيد بمقررات الدستور وبالتوقيتات التي نص عليها، فإذا لمس المواطنون أن هذه السلطة لا تراعي ذلك، فمعناه أنها تستخف بكرامة المواطن ولا تقيم للمدونة الدستورية أيَّ اعتبار بل وتعده مجرد موضوعة بشرية توظفه وتستثمره لوصولها إلى السلطة وكسب مقاعد مجلس البرلمان. 
هكذا لون من الدول عبّر عنها عالم الاجتماع السويدي غونار ميردال بالدولة الرخوة وهي التي تصدر القوانين ولا تطبقها، ليس لما فيها من ثغرات فحسب، بل لأن لا أحد يحترم القانون، إذ إن الكبار لا يبالون به لامتلاكهم السلطة ما يحميهم منه، والصغار يتلقون الرشاوي لغض البصر عنه، أما الفقراء الذي لا مال لهم فيتم ضبطهم بأساليب جديدة. بواسطة القمع الرمزي وسياسية الإلهاء والقوة الناعمة، قد تعتقد الطبقة السياسية التي تدير السلطة لوهلة من الزمن بأن تتمكن وعبر منصات مختلفة من تحريك الشارع وتوجيه بوصلته باتجاهات تستهدفها حتى تبقيه في سكونية وانشغال تامين، [وذلك قد يكون من خلال صناعتها لرأي عام تجاه حدث ما، او عبر نصب عدو وهمي واذكاء صراع افتراضي لا واقعية له من خلاله، أو عن طريق إطلاق شعارات عنصرية ومذهبية تستميل عاطفة الجمهور «والسلطة تصمت ازاء ذلك» ولكن الجمهور يتفاعل معها]، لتتمكن من كسب الوقت للمضي بمكتسباتها، وضمان هدوء الشارع وضبط ايقاعه وبالتالي تلافي أي شيء من شأنه إحداث إرباك أو عدم استقرار سياسي، رغم أن السلطة بإمكانها اتخاذ تدابير صحيحة منذ البداية، وأن تصارح الجماهير بحيثيات ما يحصل وتشخص المشكلات، لتتم معالجتها، إلا أنها تسلك الطريق الأبعد والأكثر وعورة، وذلك ليس من صالحها البتة فإنه لا يمكن لأحد التنبؤ أو استشراف مرامي المواطنين، خاصة اذا كان هناك واعون ونخبة تطلعهم على التوقعات وتنبههم على خيبة الأمل الحاصلة، وتؤشر لهم الأخطاء والسلبيات فإن الجمهور، قد يتسنفر في اي لحظة ويخرج من صمته ويعزز حضوره في الشارع، على هذه الطبقة السياسية اللجوء إلى الدستور والتقيد بفقراته لمواجهة تحدي اليأس الجماهيري وفقدان الثقة وتوسع الفجوة بطريقة اكثر عقلانية وقانونية، بدل اللجوء إلى أساليب المكر ومخادعة الناس ومخاتلتهم، لكسب الوقت والنفوذ، فذلك لن يدوم طويلاً والواقع المنصرم خير دليل على ذلك، فقد يكون هذا التحديد الجديد وهو ما اطلق عليه بالانسداد السياسي الثقاب، الذي يشعل فتيل ازمة جديدة أشد ضراوة من تظاهرات عام 2019 وما تليها وتخللها من أحداث غير 
محمودة.