نصير جابر

الأربعاء 18 أيار 2022 171

نصير جابر
أنا نصير جابر ولدتُ تحت نخلة زهدي شاهقة ماتت منذ زمن بعيد بسبب جفاف نهر (الجيجان) الذي عرفَ مواسم قحط كثيرة، عشقتُ النخيل وظلاله حدّ الوله وفُتنتُ بالكائنات الساحرة التي تسكنه من عصافير وفواخت وغربان وبلابل وطيور مهاجرة تمرّ في سماء قريتنا النائية (المهناوية) وهي في طريقها إلى عالم
 آخر.
 في بيت جدي لأمي يوم 12/ 2/ 1973 أبصرتُ النور الأوّل فعمّدني آمراً بصوته الجهوري باسم نصير ومنه- هذا الجد صاحب الميل الفطري لليسار- ومن أجداد آخر تشكّلت بوادر وعي وهاجس سيكبرُ معي كلّ يوم، عرفتُ مبكراً مرارات الفقد واليتم والأوجاع الكونية المرّة التي تسرّبت إلى عالمي بفضل الحرب وويلاتها الهائلة. 
إذ استشهد أبي وأنا بعمر تسع سنوات فكان الفقد الحرّاق الذي تأكل ناره روحي حتى الآن، عشت رعب فترة القمع الصدامي بحذافيره فلجأت إلى القراءة بعد أن تحولت إلى طفل خائف مرعوب تسكنه العقد العصيّة على الحلّ يتصور أن الموت يتربّص له في كلّ زاوية، وأنّه لا محالة معتقل في يوم ما بتهمة حبّ الحياة أو حبّ (ماركس) أو حبّ (جيفارا)، لا فرق المهم أن تُتهمُ
وتموت.
أوّل كتاب أدمنته كان (ألف ليلة وليلة) تلك المدونة التي بذرت داخل عقلي وقلبي حنطة الولع بالكلمة والحرف، بعده حفظت مطولات الشعر العربي الشهيرة، وحينما اكتشفت أن الإنسان كائن يكتبُ.. كتبتُ كثيراً.. قصصاً وروايات وقصائد كلّها سأتركها ذات يوم لأبدأ من جديد دائما.
 في المتوسطة قرأت لمدرسنا المصريّ (سيد علي خضير) أولى قصائدي فربّت على كتفي وقال أنت (شاعر)، ويالها من كلمة غامضة ستبقى معي مثل تميمة سحريّة كنت أظنها ستحفظني دائماً من كلّ موت مجاني أو حبّ خائب أو عبور نحو هجرات مستحيلة، دخلت كلية الآداب قسم اللغة العربية لأكون مع اللغة والأدب حتى النهاية، أكملت بعدها الماجستير في رسالة عن المسرح العراقي، جعلتني أطّلع على هذه المساحة المدهشة من الثقافة العراقية، أما الدكتوراه فقد كانت عن البناء والتشكيل في الرحلة الأدبية الحديثة.
نشرتُ المقالة والشعر في الصحافة العراقية منذ العام 1992، وأوّل نصّ ينشر لي كان مجموعة قصائد في جريدة (صوت الطلبة) اشتركت في العشرات وربما المئات من المهرجانات الثقافية داخل العراق، عام 2012 أصدرت ديواني (المعنى المؤجل)، وعام 2019 طبعت كتابين، هما (من ذاكرة الشجن) وهو مجموعة مقالات ذات طبيعة تراثية، حاولت فيها تثبيت ذاكرة ما عن اللغة والعادات والأحزان التي يمكن أن تذوب في نهر النسيان والإهمال.
وكتاب (الهرطقات) وهو نصوص صوفية عرفانية كتبتها تحت ضغط وقمع حبّ جارف للفكرة الكبرى، فكرة المحبّة واقتراف النقاء في زمن يتمزق نسيجه الروحي بعشوائية وقسوة عجيبة، وأعكف منذ شهور طويلة على ما يمكن أن أدعوه مشروع عمري (رواية) أتمنّى أن ترى النور بعد أن أحرقت خمس روايات سابقة، عانيت في بعضها لسنوات ولكنّني وجدتها غير صالحة للحلم، أقرأ كثيراً وأحلم أكثر، ربما أنا خارج قوس الواقع ولكنّني أكيد داخل قوس الكتابة، حياتي الوحيدة التي أعرفها ومستعد جداً للعيش تحت ظلّها ما تبقى لي من سنوات على هذه الأرض.
أغضب جداً ودائماً من (العالم) كلّه عندما أراه يدوس على رقبة الإنسان ويحوله إلى مشروع متبضّع  مارٍ بنهم على الماركات التي تجلب الربح وتحوله إلى مجرد مستهلك فارغ.
وأفرح جداً عندما أرى شجرة جديدة تنمو في الشوارع أو الحقول، شجرة قد تؤسّس لبستان ونسمة ريح وحياة قابلة تختلف عمّا عشناه من حياة مرّة كالحة.