الحذاء .. من الأناقة إلى إهانة الرؤساء والقادة

الخميس 19 أيار 2022 197

الحذاء .. من الأناقة إلى إهانة الرؤساء والقادة
   محمد عجيل
يتفق خبراء الاتكيت على أن أناقة الرجل في حذائه، فهو غالباً ما يكشف شخصيته ومقبوليته وخاصة لدى غالبية النساء اللاتي أول ما يبدأن النظر إليه في الرجل وجهه ثم تنزل عيونهن إلى قدميه، ومن هنا جاء اهتمام المصانع العالمية في طرح موديلات جديدة من الأحذية تجد لها صدى لدى سوق الرجال في مختلف مستوياتهم الاجتماعية والمهنية من عامل بسيط، حتى وصل هذا الأمر إلى رؤساء الدول والقادة السياسيين ورجال الأعمال في مختلف البلدان، والذين ما انفكوا يتباهون بألوان أحذيتهم ونوعيتها ومدى تطابقها مع لون البدلة وربطة العنق.
وأنا لي شخصياً تجربة مرة مع أول حذاء لبسته في حياتي، وكان ذلك في عام 1974 حينما أجبرنا من قبل إدارة المدرسة أن نستبدل (النعل) بالحذاء، بعد رحلة مضنية استمرت لثلاثة مواسم دراسية قضيناها حفاة، وكان عليّ أن أقنع والدي بالأمر ولم أفلح في ذلك حينها، حتى زار والدي مدرستي وناقش الأمر مع الإدارة ولم يقنعوه إلا بشق الأنفس، وذلك لسببين، الأول شخصية والدي المنحدرة من الريف، والثاني سعر الحذاء الذي لا يقدر عليه، خاصة أن لي ثلاثة أشقاء في المدرسة نفسها. 
 
البداية
لم يتفق المؤرخون على التاريخ الحقيقي الذي ظهرت فيه الأحذية إلا أن الكثير منهم أكدوا أنها تعد قديمة بقدم الإنسان نفسه.
ويذكر الفيلسوف الإغريقي بلينيوس أن أول رجل استخدم الخف أي الحذاء كان من أوسيا، وكان اسمه ديفوس وشكل الحذاء مزايا عديدة في عدد من القرون، وخاصة في عصر النبلاء الذين أخذوا منها تمايزاً لهم عن طبقة الفقراء، إذ تظهر في صناعته المواد الثمينة مثل المخمل والحرير والساتان وحتى الأحجار الكريمة، لكن عصر الثورة الصناعية يكاد يكون نقطة تحول في صناعة الأحذية، إذ ظهرت لأول مرة ماكينات الخياطة في المملكة المتحدة وأميركا الشمالية، ومما زاد من الاهتمام العالمي في صناعة الأحذية هو ظهور الأحذية الرياضية وخاصة للاعبي كرة السلة، إذ أخذت الشركات تتنافس في صنعها في ظل انتشار تلك اللعبة أوروبياً.
 
حوارات ولكن!
وللحذاء أهمية كبرى في حياة العرب، وخاصة في عهد ما بعد الإسلام، إذ بدأت ملامح الدولة العربية تظهر، ومما ساعد في ذلك الظروف البيئية القاسية حيث البداوة والصحراء التي تتطلب حماية القدمين، ورغم أنه شكل لهم عقدة ثقافية سلبية وخاصة في حواراتهم الفكرية، إذ سرعان ما يكون الرمي بالحذاء هو الفيصل في نهاية أي حوار فيما بينهم، وظهر ذلك جلياً بعد ثورات الربيع العربي، إذ غالباً ما تشهد المقابلات الحوارية صراعاً ينتهي بجمع أحذية المتحاورين من تحت الطاولة. 
وفي وصفة لأهمية الحذاء قال الإمام علي بن أبي طالب (ع): "استجادة الحذاء وقاية للبدن وعون على الصلاة والطهور"، وبذلك أعطاه دوراً صحياً وشرعياً لم تكن العرب تدركه من ذي قبل، كما وضع العرب أنفسهم طقوساً وشروطاً خاصة للبس الحذاء منها عدم لبسه وقوفاً، وأن يكون الحذاء جيداً، وألا يمشي الشخص بفردة واحدة، وضرورة أن يقدم الرجل القدم اليمنى أثناء لبسه، والقدم اليسرى أثناء نزعه، حتى وصل الأمر لأكثر من ذلك حينما وضع دعاء خاص عند لبس الحذاء.
 
الحذاء والتراث الشعبي
يكاد يكون حذاء أبي القاسم الطنبوري أشهر الأحذية في الموروث الشعبي العربي والذي تحول في عقود سابقة إلى مسلسل تلفزيوني اشتهر في حينها، وقام ببطولته الممثل الراحل عبد المنعم ابراهيم، كما نقرأ في قصة الأميرة ساندريلا التي خلدتها السينما العالمية، أن الأمير أخذ يبحث عن إحدى الجميلات التي نسيت فردة من حذائها في حديقة قصره بعد أن كانت إحدى المدعوات لحفل أقامه، فأمر أن تقاس تلك الفردة على كل الفتيات اللاتي من ضمن المدعوات.
الحذاء على منبر الأمم المتحدة
ما يثير الاهتمام، أن الحذاء أصبح وسيلة للتعبير عن السخط وسلوكاً لتغيير القرارات التي تهم المجتمع الدولي، خاصة في عهد قطبي القارة المعسكر الاشتراكي بقيادة الحلف الاطلسي والغربي بقيادة حلف الناتو، ومكان صراعهما الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وقبل اثنين وستين عاماً أي عام 1960 شهد منبر الأمم المتحدة حادثة ما زالت تتذكرها الأجيال وكتبت عنها في ذلك الوقت كبريات الصحف العالمية، إذ انبرى الرئيس السوفيتي الراحل نيكيتا خروتشوف بحذائه طارقاً على الطاولة التي كانت أمامه، وذلك استنكاراً وإدانة بوجه الكلمة التي كان يلقيها المندوب الفلبيني في الأمم المتحدة لورينزو سومولونغ الذي تطرق إلى موضوع حساس جداً لدى السوفييت، وهو الممارسة الحرة للحقوق المدنية والسياسية لشعوب دول أوروبا الشرقية التي كانت تأتمر بالقرار السوفيتي آنذاك، ما دفع خروتشوف إلى طلب الإذن بالكلام، لكن مدير الجلسة لم ينتبه إليه، فاضطر إلى استخدام حذائه للفت الانتباه، ورغم دخول حذاء خروتشوف في مجادلات بين النفي وصحة الحادثة، إلا أن أفراد أسرته أقروا فيما بعد أن رب أسرتهم فعلاً استخدم حذاءه في الطرق على طاولة الأمم المتحدة، واللافت في هذه الحادثة التي تكاد تكون غريبة في تاريخ السياسة الدولية أن وسائل الإعلام العربية سوقت هذه الحادثة لمصلحة القضايا التي كانت تهم الشعب العربي، وأكد الكثير منها أن خروتشوف ذهب مخصوصاً للأمم المتحدة وأخذ يطرق بحذائه على طاولتها استنكارا منه  للعدوان الثلاثي على مصر، وإنه طالب كل من شارك بذلك العدوان بالتوقف وإلا سيضطر حلف الأطلسي للتدخل حماية لمصالحه في المنطقة العربية. 
 
حذاء منتظر الزيدي
رغم حالة الانقسام التي شهدها المجتمع العراقي بعد حادث رمي الرئيس الأميركي جورج بوش بالحذاء من قبل الصحفي منتظر الزيدي، إلا أن ذلك الحذاء الذي قال عنه بوش إنه قياس ثلاثة وأربعين دخل التاريخ من أوسع أبوابه، وأخذ ينافس حذاء خروتشوف، ويبدو أن حالة الانقسام تلك تولدت من عدة اعتبارات، من ضمنها أن العرب بطبيعتهم يحترمون الضيف، وأن الرئيس الأميركي قد حل ضيفاً عليهم رغم تواجد قوات بلاده العسكرية على أغلب مساحة الأرض العراقية بصفة احتلال، ومن حقوق الضيف أن يحترم وتحفظ هيبته ومكانته، إلا أن حالة الانقسام السياسي التي شهدها العراق، ووجود تيارات وجماعات مناوئة للسياسة الأميركية، وقفت حائلا دون تحقيق ذلك، وأخذ حذاء الزيدي مساحة اهتمام واسعة من قبل وسائل الإعلام العالمية والعربية، بينما عرضت كبريات الشركات شراءه بحسب مصادر مقربة من صاحبه الذي اكتسب شعبية لن ينالها حتى لو عمل في مهنة البحث عن المتاعب مئة عام، ولم يكن حذاء منتظر الزيدي الوحيد الذي يستهدف رؤساء الدول فقد تعرض قبل ذلك الرئيس السوداني عمر البشير إلى رشقة بزوج من الأحذية حينما كان يلقي خطاباً في مدينة جوبا، كما تعرض الرئيس اليوناني جورج بابندريو إلى الحادثة نفسها، ولم يسلم رئيس وزراء بريطانيا توني بلير هو الآخر من مشاكسة حذاء أحد معارضيه، والقيت رشقة من الأحذية على رئيس وزراء استراليا جون هاورد في تحدٍ صارخ لتواجد قوات بلاده في العراق.
 
الحذاء والتنين الصيني
شكلت الصين بالنسبة للغرب القوى العالمية الصاعدة عسكرياً واقتصادياً، لكن ذلك لا يمنع من القول أنها بمأمن عن الإهانات الشعبية، ففي ربيع عام 2009 تعرض رئيس وزراء الصين ون جيا باو أثناء زيارته إلى عاصمة الضباب لندن إلى رشق بالحذاء أثناء مؤتمر صحفي في جامعة كامبردج من قبل باحث ألماني في بداية العقد الثالث من عمره، كان محتجاً على زيارة رئيس الوزراء الصيني الذي وصفه حينها بالدكتاتور، كما ولم يسلم الكيان الصهيوني الغاصب من رمي الأحذية بوجه مسؤوليه، إذ شهدت العاصمة السويدية ستوكهولم رمي السفير الاسرائيلي بيني داغان بالحذاء وهو يلقي محاضرة عن حماية أمن اسرائيل، كما وشهدت إسبانيا في عام 2010 محاولة للرمي بالحذاء كانت تستهدف رئيس وزراء تركيا 
آنذاك رجب طيب اردوغان، كما تعرضت وزيرة الخارجية الأميركية هلاري كلنتون عام 2014 إلى رمية مباشرة بواسطة حذاء سيدة أثناء مؤتمر صحفي عقدته في لاس فيغاس.