مَنْ يشعر بالقلق؟

الخميس 19 أيار 2022 513

مَنْ يشعر بالقلق؟
أحمد عبد الحسين
 
دائماً، عند الأحداث الكبرى تبدو وظيفة موظف الأمم المتحدة هي الأسهل: يشعر بالقلق ليريح ويستريح.
هذا فهم شائع يُتداول باعتباره نكتة لكنّها النكتة التي يصدّقها الجميع. ففي ذروة كلّ معضلة سياسية أو أمنيّة تكتفي المنظمة الدولية بعباراتٍ جاهزة من قبيل "نشعر بالقلق" أو "ندعو الأطراف للحوار" أو "نحن نراقب باهتمام". المسألة تتعلّق باللغة أولاً، فالعبارات الجاهزة تغري بإنشاء مادة ساخرة مهما كانت تنطوي على أهمية مفترضة. تكرار الجملة إياها كلّ مرة يفقدها حمولتها الجادّة ويفرغها من المعنى.
لكنّ وراء هذه الجُمل الأممية المعلّبة يكمن جهدٌ شاقّ ذو مهمة ملحمية تبلغ حدّ الاستحالة: إرضاء الجميع. وبالفعل لا تستطيع الأمم المتحدة أن تؤدي دورها بسلاسة إلا إذا ضمنتْ اعتراف الجميع بها وأكّدتْ حياديتها التامّة في كل خطوة تخطوها وكلّ كلمة تقولها. والحيادية عمل شاقّ. قَدَرُ هذه المنظمة أن تكون فاعلة وأن يرضى عنها الجميع فيآن واحد.
ومن يردْ أن يكون مقبولاً من كلّ الأطراف عليه أن يلجأ إلى الحدّ الأدنى من اللغة، أن يقتصر قاموسه على ما لا يخدش. نجد هذا في كتابات كثير من المثقفين الذين يريدون أن يكتبوا كثيراً ولا يريدون مع ذلك أن يزعجوا أحداً. مهمتهم تبدو سهلة لكنها في الحقيقة عذاب.
أتتذكرون محنة مبعوثة الأمم المتحدة في العراق السيّدة "جنين بلاسخارت" كيف كانتْ تمسي صديقة وتصبح عدوّة، وتنام وهي نزيهة لتستيقظ وهي متآمرة؟ أتتْ ساحة التحرير وركبتْ تكتك الاحتجاج فذرف المحتجون لأجلها الدموع، ثم التقتْ مع حزبيين "وطبيعيّ أن تلتقي بهم بحكم وظيفتها" فلاحقها الشباب باللعنات، وكيف أنَّ الأحزاب نفسها كانتْ ترضى عنها قبل الظهر وتشتمها بعده، وهي في كلّ ذلك لا تُبدي ردّة فعل إزاء ما يحدث لها، إلا في مرة واحدة استفزوا فيها أنوثتها وسموها عجوزاً، فردّتْ بانفعال: أنتم العجائز!
أمس قدّمتْ بلاسخارت إحاطتها عن العراق أمام مجلس الأمن، وكانتْ في معظمها خالية من اللغة الإجرائية والعبارات المنمّقة، ففيها قدر وافر من الوضوح. سيغضب خطابها الكثيرين وسيشتمونها، وعلى الأغلب ستلجأ إلى الصمت، إلا إذا تجرأ أحدهم وتحدث عن عمرها. حينها ستردّ بقوّة!