جريمة اغتيال العقل الفلسفي

السبت 21 أيار 2022 100

جريمة اغتيال العقل الفلسفي
 يوسف نمير
 
 إنَّ هدف الفلسفة ليس مقارعة الحجة بالحجة أو المنطق بمنطق آخر، وإنما هي محاولة للفهم والاستدلال بمنهجها للوصول إلى الحقيقة، دارت معركة بين ابن رشد وأبي حامد الغزالي والتي كانت صراعا للبقاء بين العقل والنص، فكتب الغزالي كتابه الشهير (تهافت الفلاسفة)، أي تناقضاتهم واتهم الفلسفة بالفشل في إيجاد أجوبة شافية لمسائل الوجود الكبرى، وردَّ عليه ابن رشد ردّا ساحقا بكتاب سمّاه (تهافت التهافت)، وقام بتشريح كتاب الغزالي وإظهار عيوب منطقه، وكان الغزالي باختصار يقول إن تناقض النص الديني مع العقل فإنَّ علينا أن نأخذ بالنص حتى وإن لم ينسجم مع العقل، أما ابن رشد فانتصر للمنطق والعقل، وقال إذا اختلف العقل مع النص فإنَّ علينا أن ننتصر للعقل لا للنص اللاهوتي؛ لأنَّ الدين يجب أن يترك للتفسيرات الروحيَّة لا العقليَّة الماديَّة، ونتيجة صراع التهافتين، تهافت الغزالي وتهافت ابن رشد، اختار الشرق تهافت الغزالي، بينما اختار الغرب تهافت ابن رشد، ولا يزال كل معسكر يقطف ثمار التهافت الذي انتقاه، فوصل الغرب إلى المريخ يقوده منطق ابن رشد، وبقي الشرق يدور حول الروح ويدور حول نفسه في النقطة نفسها، التي تركه فيها الغزالي، لقد كان الإمام الغزالي خارج الاجتهاد الفلسفي، ولكننا لا يجب أن نستبعد بأنّه كان داخل دائرة التفلسف، وكان ينتقي من الفلاسفة الذين سبقوه ما اعتبره منفعة للدين مثل العلوم التجريبية والطبيعية، واستبعد كل ما يضر بالدين، وما يقصده بالإضرار بالدين هو تلك الفلسفة التي تنفي وجود الغيبيّات الثابتة في التشريع الإسلامي كالبعث والحساب وغيرهما، وكل ما يتعارض مع النص القرآني. 
يمكن القول بأن فلسفة ابن رشد تقع على مفترق الطرق بين الفكرين الشرقي والغربي، فهو أولا كمسلم كان يؤمن بالعقائد الأساسية للإسلام ولكن من دون تعصّب أو تزمّت، وهو كفيلسوف ثانيا كان مطلعا بشكل وثيق على الفكر اليوناني ومعجبا به أيما إعجاب، وقد حاول التوفيق بينه وبين العقيدة الإسلامية، ومن ثم فهو كان مسلما ليبراليا أو تنويريا، ولكن الغزالي هاجمه بعنف في كتابه (تهافت التهافت) واتهمه بالخروج على بعض العقائد الإسلامية، ثم كفّره الفقهاء اللاحقون على اثر الغزالي، كما كفّروا أغلب فلاسفة عصره، ومن الملاحظ أن الفلسفة الإسلامية قد توقفت عند الغزالي، أي توقفت منذ ذلك الزمن ولم تضف شيئاً جديدا، بينما ازدهرت الحركة الفلسفية في الغرب أكثر مما عليه في الشرق، وذلك بسبب الحكم المتطرّف على كل من يتجرأ أن يتناول الفلسفة، مشكلة بذلك مشكلة كبيرة عند مفكريها وكل من يتدارسها، ولكن ابن رشد قد نال من الفلسفة لينهل من هذه الحكمة الأبدية ما لم تنهل منه الأمة الإسلامية قرونا، والحق يقال بأن الغزالي قد خسر معركته الفكريَّة مع ابن رشد بعد أن نالت الفلسفة منه لأنّه اعتبرها خارجة عن الدين، لم تكن هناك فلسفة في الإسلام في نظر الغزالي، ولكنه كتب كثيرا عن علم الكلام في حين أنه لم يكتب كلمة واحدة عن علوم الأديان (أي علوم المعرفة بالأديان وليس كما هو معلوم بمجال المقارنات)، فالفلسفة في النهاية هي عبارة عن مجموعة من العلوم وليست نصوصا مقدَّسة، حتى أصبح علم الكلام يحل محلها (أي الفلسفة) كنوع من أنواع التمويه والتلاعب المعرفي من قبل فقهاء ذلك الزمان، وتقليلا من شأن الفلسفة الحقيقية، أي أنهم قللوا من قيمة العقل الفلسفي ونهوا عن فضيلة التفكير، مستعينين بدلا من ذلك بسيف التكفير.