روبين ويليامز ضحيَّة الشهرة والتشخيص الخاطئ

الأحد 22 أيار 2022 54

روبين ويليامز ضحيَّة الشهرة والتشخيص الخاطئ
  عفاف مطر
نتحدث هنا عن أشهر أيقونة في هوليوود، شخصية عدّها الكثيرون من أكثر الشخصيات المؤثرة في القرن الـواحد والعشرين، شخصية استطاعت أنْ تشكل جزءاً من ذاكرة هذا الجيل بأعمالها، من منا لا يتذكر فيلم السيدة داوتفاير أو جومانجي، أو علاء الدين وغيرها؟
إنه روبين ويليامز، الذي بسبب انتحاره ارتفعت نسبة الانتحار في أميركا، حادثة انتحاره في آب/ أغسطس 2014 صدم بها العالم كله حينها كان في قد بلغ الثلاثة والستين عاماً.
63 عاماً زاخرة بالمجد والشهرة ومحاط بالأسرة والثراء والأصدقاء والمعجبين، شخصٌ كهذا لماذا ينتحر؟ روبين ويليامز ولد في العام 1951 وكان الطفل الوحيد لأسرة غنية تعيش في شيكاغو، والده روبرت ويليامز كان مديراً في شركة Ford للسيارات، ووالدته كانت عارضة أزياء، كان لديه أخ غير شقيق من والده وآخر من والدته. 
 
وكان والده بحكم عمله يسافر كثيراً، لهذا لم يتمكن روبين من تكوين صداقات حقيقيَّة بسبب سفره مع والده وانتقاله من مدرسة الى أخرى، ولهذا كان يعاني من وحدة دائمة وهو طفل، وحتى يعوض عن عدم وجود أصدقاء حقيقيين كان يخلق أصدقاءً خياليين، حتى أنه قال ذات مرة إنَّ خياله هو صديقه وشريكه. 
لعبته المفضلة التي كان يقضي فيها ساعاتٍ طويلة وهو صغيرٌ هي الجنود والحروب، والمثير أنه كان يخلق لكل جندي اسماً وشخصية وطريقة كلام ولكنه وبالطبع كان هو من يؤدي تلك الأصوات والشخصيات، حينها لم يكن يعرف أنَّ لديه القدرة على تقليد الأصوات واللكنات بصورة تلقائية.
والدته كانت تتمتع بحسٍ فكاهي عالٍ، وكانت علاقته بها قوية جداً، ومن هنا اكتشف قوة الكوميديا والضحك لأنها كانت تقربه أكثر من والدته، في أحد تصريحاته قال إنَّه اكتشف أنه يمكن للشخص أنْ يتواصل اجتماعياً إنْ كان مسلياً. 
في آخر سنة له في الثانوية وبعد أنْ كان متفوقاً دراسياً وعضواً مهما في فريق كرة القدم المدرسيَّة والمصارعة فجأة يتقاعد والده، فيضطر الى ترك شبكة العلاقات التي كونها وينتقل مع والديه الى بيئة جديدة في كاليفورنيا لكنَّ هذا الانتقال جاء لصالحه، إذ في مدرسته الجديدة كان يتحتم على الطلبة أنْ يختاروا نشاطاً غير الكورسات الدراسية، فاختار المسرح ومن هنا كانت بدايته في عالم التمثيل.
كأغلبية ممثلي هولييود دخل عالم الكوكائين ولم يتوقف عنه إلا بعد وفاة صديقه Join Belushi بجرعة زائدة، وكان حينها يبلغ من العمر 33 سنة وعلى الرغم من تعافيه من الكوكائين أعواماً طويلة إلا أنه بعد عشرين سنة رجع الى الإدمان وكان يخفي ذلك عن أسرته وأصدقائه. في العام 2006 دخل مصحة للتشافي من الإدمان، وحين خرج منها اكتشفت زوجته الثانية ومديرة أعماله مارشا أنه ما زال يتعاطى الكوكائين فانفصلت عنه في العام 2007، ومن هنا بدأ روبين بالانهيار لا سيّما أنَّ مارشا كانت هي التي تختار له الأدوار المناسبة له والتي نال عن أحدها الأوسكار– المرة الأولى فاز بها كان قبل زواجه من مارشا- وبدأت رحلته السينمائيَّة في الهبوط إذ كل ما عقب هذا التاريخ عبارة عن أفلام عجزت عن تحقيق أي نجاح يذكر، بالتزامن مع ذلك بدأت صحته بالانحدار أيضاً ففي 2009 أجريت له عملية في القلب، وفي 2014 تدهورت صحته أكثر وأكثر وبدأ يشعر بالضعف بالهضم والبصر، وبدأ بفقدان الوزن بصورة سريعة جداً وبدأ يشعر أنَّ أفكاره مشوشة، وفقد سرعة البديهة التي كان يعتمد عليها في أعماله الكوميديَّة، واعتقد أصدقاؤه أنَّ الأعراض التي يعاني منها ما هي إلا نتيجة أدوية القلق التي يتناولها.
أثناء تصويره لفيلم (ليلة في المتحف) تقول الماكييرة المسؤولة عنه إنَّه كان يبكي يومياً لأنه كان يشعر أنَّ جسده ينهار سريعاً، إذ بدأت يده اليمين بالارتجاف وكان يجد صعوبة في المشي، وضعفت ذاكرته، وبدأ مع زوجته الثالثة سوزان جولاتهما على الأطباء، لكنْ من دون جدوى، حتى أيار 2014 حينها تم تشخيص إصابته بمرض (باركنسون) الذي يؤثر في القدرات العقليَّة والبدنيَّة، ويؤدي بصاحبه الى الوفاة السريعة وهو المرض ذاته الذي أصيب به الملاكم محمد علي كلاي، فأصيب روبين بالذعر والاكتئاب ثم دخل مصحة نفسيَّة، لكنْ للأسف لم يتمكن أحدٌ من مساعدته، بعدها دخل في نوبات من جنون الارتياب لدرجة أنه جمع كل ساعاته الغالية ووضعها في جورب وأعطاها لجاره ظناً أنَّ هناك من يريد سرقته.
لم يحتمل روبين هذا الجنون وقرر إنهاء حياته بنفسه وفي آب 2014 وجوده في غرفة نومه وقد انتحر مستعملاً حزامه. ملايين حول العالم أصابتهم الدهشة والحزن لوفاته، وانتبه حينها الناس الى أهمية الأدوار التي قام بها 
روبين. 
الكثير كان يعتقد أنَّ سبب انتحار روبين المخدرات وآخرون اعتقدوا أنَّ السبب هو الاكتئاب، لكنَّ الطب الشرعي أكد أنَّ السبب هو إصابته بمرض (خرف أجسام ليوي) وهو مرضٌ عقليٌّ يشبه الخرف ولم يكن مصاباً بالباركنسون كما اعتقد أطباؤه، ومن أهم أعراض هذا المرض هو شعور المريض بالرغبة في الانتحار، وبالتالي وكما أنَّ هناك أمراضاً نفسية تؤدي الى أمراض جسديَّة، فإنَّ هناك أمراضاً جسديَّة تؤدي الى أمراض نفسيَّة، فروبين كان ضحيَّة خطأ التشخيص الطبي.
المؤلم أنه وفي قمة ألمه حين كان يشتكي لأصدقائه عن الأعراض الغريبة التي تصيبه، كانوا يعتقدون أنَّ فشل أفلامه وخبو نجمه هو السبب الحقيقي لشكواه المستمرة، لم يأخذ أحدٌ شكواه على محمل الجد لمجرد أنه نجم مشهور.