محنة السياسي

الخميس 26 أيار 2022 151

محنة السياسي
  رعد اطياف
 
في مجتمع تقليدي مثل العراق، يستمد قوته السياسية والاجتماعية من رموزه الدينية والقبلية، تغدو فيه القرارات المتسرعة، والهفوات غير المدروسة، انتحار بطيء، وتصرفات محفوفة بالمخاطر. كل هذا وغيره يرجعنا إلى ما كتبناه بالأعوام الماضية عن ضرورة الفصل بين الخلافات الموضوعية والأحوال النفسية. من يتصدى للعمل السياسي عليه أن يتكبد عناء الضرائب الباهظة التي يمكن أن يدفعها خصوصاً في بلد مضطرب مثل العراق. ليس هذا فحسب، وإنما ينبغي عليه أن يفرق بين انطباعاته الشخصية كفرد وبين خلافاته السياسية كعضو ينتمي إلى جماعة سياسية، تنتظر منه خطاب يتضمن الحد الأدنى من 
العقلانية.
 ليس مطلوبا منك مجاملة خصومك السياسيين، فللسياسية أعرافها ومنطقها وإطارها الحواري الخاص، ومتى ما استطعنا التمييز بين "الهدّة" العشائرية وبين الخلافات السياسية المبنية على رؤية وخطاب مقنع، وإمكانات تسمح بها طبيعة المرحلة ومنطقها الملائم لها، فحينئذٍ نغدو سياسيين بحق ولسنا مُسَيَّسين. وليس بالضرورة أن نكون مسيسين ونأتمر بقوى خارجية، بل أعني، ومن زاوية محددة، ان نكون فرائس لأهوائنا النفسية العنيفة.
  السياق واضح تماماً: مجتمع تقليدي يقدس رموزه الدينية، والمذهبية، والقبلية،  ويمكن أن تنشب حرب ضروس بسبب ذلك، بل اكثر من ذلك: أن القانون العراقي يحاكي هذا السياق الثقافي ويجرّم الإساءة للرموز الدينية. لأجل ذلك كله ينبغي لنا التحلي بالحكمة، وإن لم نستطع فليس معيباً أن نتراجع ونترك المجال لغيرنا.
المغزى من هذا الكلام يتوجه للسياسيين الجدد وجمهورهم الصعب المراس، هذا الجمهور الذي يتراوح بين منطق الإصلاح والثورة، أو بشكل أدق، لم يحسم ميوله الحقيقية إلى أيٍّ من الطرفين، ويتناثر خطابه، وتتوزع أدبياته ذات النزوع الشعبوي إلى منطق الممانعة والرفض المطلق لكل أشكال النظام السياسي. 
وسيتعرض وجدانهم السياسي للجرع العميق إذا ما فكّر أحد ممثليهم بالجلوس مع أحد شخوص النظام. فانطلاقًا من هذا المنطق ينبغي على النواب المستقلين أن يأسسوا برلمانًا خاصاً بهم، أو شق البرلمان العراقي إلى نصفين إرضاءً للجمهور الممانع.
وقع أحد البرلمانيين المستقلين قبل أيام ضحية الجمهور الغاضب، بسبب زيارته لإحدى الشخصيات السياسية، فهل كان الجمهور السياسي الجديد يعتقد أن العمل السياسي نزاع عشائري؟ صحيح أن الوضع السياسي لا يسر الصديق، فضلاً عن العدو، لكن لا يعني هذا أن تتحول العلاقات السياسية والبرلمانيون الجدد إلى جزر متباعدة، بل قوام العمل السياسي هو الحصول على أكبر عدد من المكاسب، لكن يبدو أن جمهورنا السياسي ما زال يرادف بين العمل السياسي "والدكة" 
العشائرية.