كيفَ يطلُّ المثقفون من شرفات أسئلتهم؟

الخميس 26 أيار 2022 107

كيفَ يطلُّ المثقفون من شرفات أسئلتهم؟
 استطلاع: 
صلاح حسن السيلاوي 
عمليتان قيّمتان تميزان أهمية المنجز الإبداعي لكل مجتمع، هما القراءة الناضجة، وكيفية الانتفاع من تلك المفاهيم والأفكار المقروءة وتحويل ذلك إلى خطاب إبداعي أو فلسفي.، الحديث عن تلك القراءات وعمقها وغزارة ما وصل منها لمثقفينا، ينطوي على أهمية تكشف لنا جانباً مضيئاً من مناطق تفكير مبدعينا، وتحفز قرَّاءنا على الاقتراب من تلك المناطق أو نقدها أو الانتفاع من مستوياتها الفلسفية. 
 
هنا نمدُّ أعيننا من شرفات المحبة على البساتين الواسعة لمضامين أدبائنا وهم يتفحّصون الثمار التالية:  لو أنك سألتَ أديباً أو فناناً أو فيلسوفاً، ثلاثة أسئلة، فمن هو؟ وما هي أسئلتك؟ ولماذا هي بالذات من دون غيرها؟.
 
ثلاثيَّة فوزي كريم 
الشاعر هادي الحسيني اختار الشاعر العراقي الراحل (فوزي كريم) الذي مرت قبل أيام ذكرى رحيله الثالثة، ليوجه له أسئلته، لافتاً إلى أنه كان قد اتفق مع الراحل قبل سنوات على إجراء حوار معه لكنّ الموت حال دون ذلك. مشيراً إلى أنه هنا سيطرح عليه بعض تلك الأسئلة التي كان يود أن يسأله إياها بخصوص تجربته الشعرية والفنية والمنفى الذي عاش فيه لعقود طويلة من الزمن.
والأسئلة التي  طرحها الحسيني على فوزي كريم هي:
1 - يرتبط المثقف الغربي ارتباطاً وثيقاً بالموسيقى ولا يمكن أن يؤشر حضوره الشعري أو الروائي من دون أن تتبلور ذائقته الموسيقية لتنعكس على ما يكتبه في الكثير من الأحيان، الأمر بالنسبة للمثقف العربي بشكل عام يبدو مختلفا، كيف تكون العلاقة بين الأدب والموسيقى وما هي انعكاساتها الايجابية على الكاتب أو الشاعر تحديداً؟
2 - (قصائد لنهار غائم)، مجموعتك الشعرية الأخيرة التي صدرت عن دار المدى في بغداد، تحتشد بوجوه الغربة والمكان وأحياناً تسأل عن هوية الآخر، وعن الاعتكاف على الغربة ومن جهة أخرى تؤنس للوحشة، وكأنك تتأمل تفاصيل الحياة اليومية وتتعامل معها بدقة وحرفية عالية، كيف تحدثنا عن هذه المجموعة التي لم نقرأ قصائدها منشورة قبل طباعتها؟
3 - غادرت العراق نتيجة للعصف السياسي والانكسار الثقافي والاجتماعي، ولأنك كنت معترضا على ما يدور داخل العراق آنذاك وخاصة سلوك السلطة، قررت اللحاق بعربة الاغتراب أو المنفى، ما هي العلاقة بين الاغتراب والمنجز الأدبي، وهل كان الاغتراب مفهوما تجريبياً أو عرفانياً أو كخط فلسفي؟
وقال الحسيني عن سبب الأسئلة ما يأتي: إنَّ سبب هذه الأسئلة الموجهة لفوزي كريم هي أنني من المعجبين بتجربته الشعرية، وكذلك فإنّ ثقافة فوزي كريم الموسوعيّة في الشعر والرسم وكذلك الموسيقى التي حين يتحدث عنها يتألق في حديثه فهو شاعر مسكون بالشعر والموسيقى والرسم ونادرا ما تجتمع هذه الثلاثية الجماليّة عند المبدع إلا إذا كان يمتلك ذائقة فريدة وثقافة عالية كثقافة الشاعر فوزي كريم التي جاءت عبر قراءات عميقة ومتنوعة منذ بداياته الأولى.  
 
الوحي وعبد الكريم سروش 
الشاعر الدكتور باسم الماضي الحسناوي رأى أن لو قُدِّر له أن يختارَ فيلسوفاً معاصراً، ليخوض معه حواراً، فسيختار الدكتور عبد الكريم سروش، ليوجه له بعض الأسئلة:
أوَّلها: إنَّك عرضتَ كثيراً من الأفكار المتعلقة بظاهرة الوحي وتفسير حقيقة النبوّة، فكانت تلك الأفكار تتعارض وتتصادم مع المعطى القرآني الواضح في تقرير الحقائق المتعلقة بهما، ومن المؤكد أنّك على علمٍ بأنّ أفكارك الخاصة التي طرحتها في هذا السياق، لا تنسجم مع ما يصرِّح به القرآن، وما تقرره السنة النبويَّة الثابتة، مع أنك لم توضح في أيٍّ من الكتب التي عرضت من خلالها تلك الأفكار ذات المنحى الوضعي المنهج المختار عندك، فهل تمَّ استنتاجها بناءً على التفكير من داخل الدين، أم من خارجه، إذ من الواضح أن التفكير من داخل الدين لا يتيح لك حقَّ عرض تلك النتائج، فضلاً عن اعتبارها حقائق موضوعيَّة يتأسس عليها الإيمان، فإنَّ صريح عدد كبير من الآيات القرآنيَّة، وعدد أكبر من الأحاديث النبويَّة، والروايات الصحيحة عن أهل البيت، يتناقض تماماً مع تلك النتائج، وإن كان المنهج المختار عندك هو التفكير من خارج الدين، فإنَّ ذلك لا يمنحك حقَّ عرض تلك النتائج بصفتها تمثل المنطق الصحيح للتفكير في نظر الإنسان المؤمن الذي يُدين بالإسلام، فلا تختلف تلك النتائج التي عرضتها في كتبك، لا سيما كتاب بسط التجربة النبويَّة، والصراطات المستقيمة، عن النتائج التي عرضها المستشرقون الذين لا يؤمنون بإلهيَّة القرآن، ولا بحقانيَّة الإسلام في جميع الأحوال.  
ثانيها: لماذا لا تخوض النقاش المعرفي المباشر حول ما تطرحه من نظريات وأفكار حول حقيقة الوحي والظاهرة النبويَّة مع من يختلفون معك في الطرح المعرفي، كالشيخ جعفر سبحاني والشيخ صادق لاريجاني وآخرين، لنعرف من خلال تلك النقاشات مدى القدرة التي تتمتع بها تلك النظريات والأفكار على الصمود أمام النقد الموضوعي الذي يوجهه هؤلاء العلماء لتلك النظريات والأفكار.
ثالثها: لماذا تطرح الأفكار والنظريات حول الطريقة التي يجب أن نفهم بها الظاهرة النبويَّة والخطاب القرآني، من دون الاستناد إلى أسس لسانيَّة واضحة يمكن مناقشتك على أساسها، أليس القرآن نصاً لغوياً في نظرك، فلماذا لا تقوم بالتأسيس اللساني لأفكارك ونظرياتك حول هذا الخطاب كما يفعل نصر حامد أبو زيد مثلاً، علماً أنه يعرض نتائج مشابهة للنتائج التي تعرضها أنت في دراساتك، إلا أن النقاش مع الدكتور نصر حامد أبو زيد أكثر علميَّة من النقاش معك، ولا سبب لذلك إلا أنه يعرض النظريّة اللسانيّة التي يؤمن بها، بتفاصيلها الكثيرة، ثمَّ يقوم بعرض النتائج المتعلقة بطريقة فهمه لظاهرة الوحي والخطاب القرآني على هذا الأساس، أما أنت فلا تفعل ذلك إلا في مناسبات عابرة ليس لها قيمة علمية كبيرة، فيبقى النقاش معك نقاشاً في سطح الأفكار لا في عمقها، الأمر الذي يجعل أغلب كتاباتك في مختلف المجالات المتعلقة بتحليل ظاهرة الوحي والخطاب القرآني متسماً بالإنشائية والأسلوب الأدبي الرشيق في الكتابة ليس
أكثر.  
وعن الأسباب التي دعته لاختيار سروش وتوجيه هذه الأسئلة له قال الحسناوي: إنَّ الأسباب التي دعتني إلى أن أطرح هذه الأسئلة على الدكتور عبد الكريم سروش، وهناك الكثير غيرها مما لا يتسع له المجال الآن، هو أني درست مشروع الدكتور عبد الكريم سروش فعلاً، فحاولت أن أتلمس فيه معالم الانسجام بين العديد من الأفكار المتضاربة والمتناقضة، فلم أجد السبيل إلى ذلك متاحاً مع
 الأسف.   
مرآة هرمان هسه 
الشاعر وحيد أبو الجول قال: لأعوام طويلة لم يغادر ذهني الشاعر والروائي «هرمان هسه» منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى هذ اللحظة التي أحاول فيها الرجوع بالزمن إلى أول شيء قدح داخل رأسي وأنا أمضي في قراءة رواية سدهارتا التي أعدّتُ قراءتها مرات عديدة لغرض العيش وقتا طويلا تحت فضائها السحري ثم تلتها قراءات ما تمكنت من الوصول إليه بحرص. كثيراً ما تخيلت أنني أجلس قبالته في مكان ما وأسأله عن بعض الأمور التي تشغل ذهني وكان أولها:
ــ  ما الشيء الذي هو مرآة الذات؟.
 نعم فعندما أقرأ له تتبدد من حولي ظلمة الأفكار وأراني شخوصه وأشعر بأنه منبع معرفي لا تراه إلا عينا المخيلة ولكنني لا أدرك في أي دائرة لغويّة مخبَّأ هذا الشيء.
ومن ثم أسأله:
ــ في أي عمل روائي كتبته أو نصٍّ شعريٍّ أجد هرمان هسه أكثر تفصيلاً كون الخالق له وجود في صورة ما خلق أم أنت داخل نواة كل ما كتبته؟.
ثم أسأله بخجل:
ــ  كم هي نسبة صلة العمل الروائي بالواقع وهل من الضروري أن يكون الواقع هو محرك دفتي المخيلة، هل من الممكن أيضاً خلق واقع افتراضي يوازي الواقع الحقيقي ونسجه على الورق من دون حضور الزمن.
هذه الأسئلة الثلاث ليست كل ما يشغل ذهني بل هما أقرب شيء للساني عندما يحظر ذكر هرمان هسه خلال حديثي مع الأصدقاء عن الأدب، وأحياناً عندما أكون مع نفسي وهي تدفع أمامي ذيول الأمنيات.
هرمان هسه ليس كاتباً فقط بل هو رفيقٌ روحيٌّ لكلِّ قراءِ كتبه -أعتقد- وما نتج عن مخيلته حتى لو كان تلميحاً بسيطاً، ففضلا عن أنه المحفز الأول لي في الكتابة والنظر إلى الأشياء من حولي بنظرة الباحث الذي لا يكل.