مظفر النواب: العراق زمنٌ وروحٌ أيضاً

الخميس 26 أيار 2022 319

مظفر النواب: العراق زمنٌ وروحٌ أيضاً
  د. حسين الهنداوي
عوالم مظفر النواب الجماليَّة عديدة ومترامية لكنها لا تكشف عن نفسها أو عن أسرارها بيسرٍ دائماً. وقد تلمست وجود بعضها شخصياً منذ أمدٍ وإنْ بشكلٍ عابرٍ ومبعثرٍ أحياناً. فمظفر، ليس فقط شاعراً مجدداً باللغتين الفصحى والعاميَّة العراقيَّة معاً، كما تعلنه مجموعات شعريَّة عديدة، علاوة الى قصائد أخرى منشورة أو مسجلة، وعشرات قصائد جميلة غيرها كان يقرأها لنا لم تر النور وبعضها ضاع أصلاً في غضون حله وترحاله بين الأماكن والأزمنة.
 
بل هو أيضاً المناضل والسياسي والفنان المتعدد المواهب في الرسم والموسيقى والإخراج المسرحي، وذو الصوت الرخيم المتعالي والريشة المترفة والرفيق والصديق والعراقي الأصيل قبل وبعد كل شيء.
لست بصدد دراسة الحالة الشعريَّة الخاصَّة التي مثلها مظفر النواب، إنما بصدد إشارة عابرة الى بعض إشراقاتها، وأبدأها بقضية البعد السياسي فيها والذي شكّل دائماً خاصيَّة فيها تميزه عن كثيرٍ وربما معظم الشعراء العرب. فالتجربة القاسية والمعقدة والمعطاء لهذا الشاعر هي أيضاً تاريخٌ شائكٌ وشجيٌّ لشعبٍ بأكمله، وقد حالفني الحظ أنْ أتقاطع معها مراراً وعن كثبٍ أحياناً، تقاطعاً صار هو ذاته تاريخاً، ومنذ مرحلة الدراسة الثانويَّة.
فقد كنت في الثانوية بعدُ في 1964، حين سمعت للمرة الأولى باسمه. ثم في الدراسة الجامعيَّة عام 1966، عاد مظفر النواب الى الظهور في حياتنا عبر قصائد كنا نغذي بها قلوبنا المهزومة بحبها الأول الرومانسي المحض والمتخيّل غالباً، ومنها المقاطع الأشهر من «الريل وحمد»، ثم قصيدة «ريحان» التي بدت حينئذ أشبه بمرهمٍ يومي لخيبات شتى لم تتوقف منذئذ أبداً وليست رومانسيَّة بالضرورة، تلتها قصيدة «جنح غنيدة»، التي علقناها على جدران غرفنا بفضل طبعة ملونة لها نشرها الشاعر الراحل يوسف الصائغ وسط مجلة «ألف باء» البغداديَّة، واعتبرت بمثابة حدثٍ سياسيٍ بذاته لأنها كانت المرة الأولى التي تجرؤ فيها مجلة حكوميَّة بعد انقلاب 8 شباط 1963، على نشر قصيدة لهذا الشاعر المعارض.
«ترافه وليل»..، مثلت تسامياً جديداً بالقصيدة المظفريَّة ذاتها تجاوزت به كل ما قبلها من قصائد بمسافة مدهشة. وهذه الغنائيَّة الفتانة والجماليَّة الرفيعة جعلت من قصيدة مظفر الشعبية لحظة فنيَّة حديثة تماماً وقفزة قفزة هائلة بنوعيَّة الشعر الشعبي العراقي على صعيدي المضامين والبناء، فضلاً عن كثافة فريدة في الصور الشعريَّة المبتكرة تعززت بقوة مدهشة عبر سلسلة قصائد متقاربة زمنياً لكنها كانت متباينة جمالياً بشكلٍ لافتٍ ومزدانة بموسيقى داخليَّة سلسة وعراقيَّة الروح كقصيدة «حن، وآنه أحن» مثلاً. 
تلك الخاصيَّة الحميمة الجذابة في قصائده الشعبيَّة جعلتنا نبحث عن المزيد منها وليس الغزليَّة وحدها لنُباغت بكنزٍ من القصائد السياسيَّة الرائعة على كل المستويات، وهل من قصيدة سياسيَّة أجمل من «سعود» في وصف انتفاضة بطوليَّة لفلاحي جنوب العراق ضد الاقطاعيين؟ أو قصيدته الرائعة «ابن ديرتنه حمد» التي نشرتها في العام 1967 صحيفة «صوت العمال» التي كان يصدرها اتحاد نقابات العمال برئاسة الراحل هاشم علي محسن في تحدٍ مشهودٍ للسلطة العسكريَّة التي كانت تطارد الشاعر الهارب للتو من سجن الحلة المركزي في نهاية 1967، عبر نفق حفره مع عددٍ من رفاقه السجناء بأدوات المطبخ كما في رواية «من صنع الخيال».
بعد أشهر، كان حظنا سعيداً حين اكتشفنا فجأة أنَّ بيننا في كلية الآداب الفنان 
سعدي الحديثي، مغني البادية الرائع، وأحد أولئك المناضلين اليساريين الذين كان قد جرى إطلاق سراحهم للتو، وبينهم مفكرون ومربون وفنانون وأدباء أحرار. 
وكان سعدي، وعبر كبرياء صوته المتعالي، قد وضع أمامنا كنوز مظفر الأخرى المحظورة النشر من قبل وفي المقدمة منها «يسعود احنه عيب انهاب يا بيرغ الشرجية»، و»صويحب من يموت المنجل يداعي» و»أيام المزبن» و»تنذل عيونج يالدولة»، بينما رحنا نتلاقف عن ظهر قلب مقاطع قصيدة «البراءة» ومعها صرنا نتتبع بلهفة أي خبرٍ عن أحوال كاتب تلك القصيدة التي بدت لنا ملحمة عصماء 
بذاتها في إعلاء الصمود على المبادئ والتضحية.
بيد أنَّ معرفتي بمظفر ستصبح صداقة مباشرة منذ 1973 عبر لقاءات متتابعة في جبال كردستان أولاً ثم في بيروت وباريس وبواتيه وبرلين ولندن فضلاً عن مقهى الهافانا بدمشق المدينة التي عاش كريماً بين بسطاء شعبها ومثقفيها ومنحها محبة راسخة.
في مطلع 1977 جاء مظفر النواب الى فرنسا التي كنت قد سبقته إليها بنحو عامٍ ونصف، حيث أمضينا معه أمسيات شعريَّة وغنائيَّة خاصَّة لا يُنسى عبقها الثقافي والسياسي أبداً برفقة أدباء وأصدقاء. 
وبعد العام 1991، قدمته للجمهور في عددٍ من الأمسيات الشعريَّة والثقافيَّة أحياها في ديوان الكوفة في لندن وفي «غاليري ارك»، فضلاً عن حوارات طويلة في برلين وباريس وكان آخر لقاءاتنا في أوروبا خلال التظاهرة الفنيَّة الكبرى التي أحياها مظفر النواب شعراً وغناءً مع سعدي الحديثي منتصف عام 1995 بحضور عددٍ كبيرٍ من المهتمين العرب وأصدقائهم في المملكة المتحدة وعلى رأسهم الشاعر الكبير بلند الحيدري تسبقه قصيدته الشهيرة:
«يا مظفر.. حيث ما كنت ستبقى.. نبع ماء يتفجر
وسيبقى الغصن رغم الريح والصحراء.. أخضر…
لقائي الأخير مع مظفر النواب فقد كان خلال عودته الى العراق في ربيع 2011 كاسراً منفاه في زيارة خاطفة وتكاد تكون رمزيَّة رفض القيام بها إلا بعد ثماني سنوات من انهيار الطغيان البعثي، وإلا بعد رحيل الغزاة الأميركيين عنه، ولم يعد إلا عودة رمزيَّة. ولكم كانت فرحتي بلا حدود وفوضويَّة وأنا أعانق مظفر النواب آنئذ وعلى أرض بغداد، هذه المرَّة، في زيارة خاطفة وأخيرة بدتْ تشبه ذات الصلاة للعراق التي سمعته يرتلها مراراً أمامي من قبل: هذا ليس مجرد مكان، إنه زمنٌ وروحٌ أيضاً.. وهناك صوتٌ داخليٌّ يقول لي هنا تستطيع الحياة..