«الجار قبل الدار» والبعض يراه «كوم حجار»

الأربعاء 22 حزيران 2022 374

«الجار قبل الدار» والبعض يراه «كوم حجار»
   محمد عجيل 
جاء في حديث رسول الله محمد بن عبد الله (ص) في الإحسان إلى الجار وإكرامه قوله: "خير الأصحاب عند الله خيركم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيركم لجاره)، بهذا الوصف الجميل وضع الإسلام الحنيف قيمة اجتماعية وأخلاقية للجار أراد من خلالها أن يبني قيماً تسمو بالفرد الذي يشكل دعامة الأسرة ومن ثم المجتمع، وبالتالي الحفاظ على التماسك أمام أي انحرافات قد تخلقها الظروف القاسية سواء تلك المتعلقة بالمحيط الأكبر الوطن أو المحيط الأصغر الأسرة، كما وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي محمد (ص) قال (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، وهذا تأكيد آخر على أهمية التضامن الاجتماعي بين الجار وجاره، يساعد الغني منهم الفقير، ويتفقد عياله ويرعى المرضى والأيتام منهم، وبالتالي فإن حقوق الجار دستور، خطت بحس إلهي، وجسدها كل الصحابة وبني المجتمع على أساسها. 
ومنذ عرفت الخليقة كان هناك جاران أحدهما سيئ والآخر جيد  وقد تغنى شعراء العرب بالنموذج الثاني من الجيران، وهذا شاعر الجاهلية عنترة بن شداد العبسي يقول (وإني لحمال لكل ملمة تخر لها شم الجبال وتزعج … وإني لأحمي الجار من كل ذلة وأفرح بالضيف المقيم وأبهج)، وأما عن الجار السيئ فإن خير ما نستشهد به هو هجاء الشاعر الكبير جرير لخصمه اللدود الفرزدق حينما اتهمه بغدر جيرانه (لقد ولدت أم الفرزدق فاجراً وجاءت بوزواز قصير القوائم … وما كان جار للفرزدق مسلم ليأمن قرداً ليله غير نائم)، ويذهب الشاعر احمد سالم بعيدا كي يقسو على سوء جيرانه في علاقتهم معه ويقول: (وجار في حقوق الحي جارا شكا منه التطفل واستجارا … يقض مضاجعي ليلا ويدمي مشاعر أسرتي كمداً نهارا).
 
الجار في الشعر الشعبي
تطرق شعراء الشعر الشعبي وكتاب الأغنية إلى الجار، وزرعوا صورة للعشق العذري بين طرفي الحي الواحد، وتغنى كبار الطرب والغناء العربي بما كتبوه، وهناك قصة جميلة ارتبطت بأغنية المطرب التونسي الراحل محمد حمزة والتي كتبها الشاعر علي واردة بعد أن أبلغ أن جاره الأعرج غاضب عليه لسبب ما، فما كان منه إلا أن أطلق العنان لموهبته الشعرية متوجها إليه بأجمل كلمات غنيت وانتشرت في العالم العربي في بدايات العقد السبعيني بصوت المطرب الراحل محمد حمزة، وفي العراق تغنى المطربون  بإحدى الأغاني التي بقيت راسخة في ذاكرة الأجيال، إذ اشتهرت على لسان المطرب الراحل سعدي الحلي، ومن بعده الفنان المتجدد حسام الرسام، وكتب كلماتها الشاعر الغنائي حسن المدحتي، وكانت بعنوان (جيران نزلوا بالطرف يايمه احبهم … شوفي اجو من ياكتر شنهي نسبهم)، وما أجمل أن يكون استقبالك للجار عبر قصة عشق لا تنتهي، ولم ينس هؤلاء الشعراء أن يكتبوا للأطفال، وخير مثال على ذلك أغنية (مؤدبين ما بنأذي جارنا) التي تعرض على قناة الهدهد. 
 
التعاون والمحبة والتسامح
يقول أستاذ علم الاجتماع في جامعة سومر الدكتور ظاهر محمد الخفاجي "إن أبرز سمات الجار هي التعاون والمحبة والتسامح، وذلك لأن الجار وخاصة الملاصق للبيت او للحدود الدولية يكاد يكون مشتركاً في جميع الصفات مع جيرانه، وربما تؤثر الظروف في حياة كليهما، ومن هنا كان الجار يحزن لجاره ويفرح بفرحه، كما أنه يكاد يكون مطلعاً على أسرار جاره التي قد لا يعرفها عنه أقرب الأقرباء". وأضاف: أن الجار ربما يكون العنصر رقم واحد المسموح له أن يدخل لبيت جاره في حالة حدوث أي طارئ لا سمح الله، وهناك جيران أنقذوا بيوت جيرانهم من الحريق والسرقة وما إلى ذلك، وفي المقابل هناك جار لا يطيق جاره ويعود ذلك إلى متغيرات جينية واجتماعية تعود للتربية والنشأة بين واحد وآخر ولا نتعجب حينما نجد أن هناك جاراً لا يعرف اسم جاره، وهناك جار قد لا يطيق أن يرى جاره لا بل أبعد من هذا، أن هناك جاراً باع داره وارتحل إلى مكان آخر بسبب جاره، حتى إن الأمثال الشعبية الاجتماعية تطرقت إلى ذلك وقيل (تل حجار ولا هل جار). 
ولم يختف الجار في علم السياسة والعلاقات الدولية، وهذا أستاذ العلاقات الدولية في جامعة البصرة الدكتور حسن محمد حسن يؤكد أن "العلاقات الدولية بين البلدان المتجاورة بنيت على حسن السيرة والسلوك، وأكدت ذلك جميع الاتفاقيات الدولية سواء على مستوى الأمم المتحدة أو المنظمات العربية والقارية". وأكد أن علم السياسة يضع ثوابت للعلاقات بين الدول منها الاحترام المتبادل ورعاية المصالح وعدم التدخل، لكن للأسف قد أسيء لهذا الجانب في القرنين العشرين والحادي والعشرين، ووجدنا هناك حروباً أريقت من خلالها الدماء بين العديد من دول الجوار، وهناك مصالح اخفيت وازيلت بسبب صراعات لم تأخذ بعين الاعتبار القيم الاجتماعية والاقتصادية للجار.
 
حروب الجيران العبثية
وأعتقد أن ما مر به العراق من ويلات حروب وحصار وتأزم علاقات خير مثال، ولا بد أن نستعين به كي نعيد الصورة المثلى للجيران، وكلنا نتذكر الحرب العراقية الايرانية التي راح ضحيتها مئات الآلاف من الطرفين ولم تكن سوى حرب عبثية من دون أهداف، غذتها الدول الاستعمارية وأساءت للمعنى الحقيقي للجار في الدين الإسلامي، وحتى غزو الكويت ما كان ليحصل لولا أن هناك فهماً مشتركاً بين الجيران على مستوى التاريخين الإسلامي والعربي، وعلينا الابتعاد عن التشنجات والعصبية، وإلا نجد أنفسنا في حالة إعلان حرب جديدة بسبب أي أزمة قد تحصل مثل أزمة الصيادين قبل عدة أسابيع.
وأشار إلى أن ما تفعله تركيا حالياً من حصار مائي على الأنهار العراقية ما هو إلا صورة قاتمة السواد للعلاقات الدولية التي لا بد أن تسود بين دول الجوار.
وتساءل المحلل السياسي طالب الشطري عن جدوى علاقات دولية في ظل انهيار تام بالمنظومة المجتمعية والدينية، إذ تطغى المصالح الفئوية بين الدول المتجاورة رغم وجود بحبوحة من الحوار بين تلك الدول، وقال: من الضروري أن تولد الحروب علاقات دولية متينة ومتماسكة، لأنه لا بد أن يكون هناك عمل جاد في تصحيح الأخطاء والأسباب التي أدت إلى نشوب تلك الحروب، لكن للأسف الصراعات ما زالت قائمة وانطلاق حرب جديدة بين الجيران متاح في كل لحظة حتى بين دول المحيط الواحد، ونقصد هنا بالمحيط الواحد دول الدين الواحد والعادات والتقاليد الواحدة واللغة الواحدة مثل ما يحدث في العلاقات السعودية القطرية أو الإماراتية القطرية، وحتى العلاقات السعودية اليمنية من تأزم واضح.
ويوضح الشطري أن دول الجوار تختلف بالمعنى والتفسير عن بيوت الجوار، لأنك في الثانية يمكن أن ترحل إلى منطقة واحدة، وقد يغنيك ذلك عن وجود جار ينغص عليك حياتك اليومية، ويخلق لك المتاعب، لكن الأمر مختلف تماما بين دول الجوار، فهناك موقع جغرافي ثابت وحدود مشتركة لا تسمح لك بالرحيل بحثا عن وطن، ومن هنا نجد أنه من الضروري وضع منظومة وقيم دائمة تحمي العلاقات بين الدول وتحفظ للأجيال المقبلة الكلمة الطيبة والتسامح والمحبة وحفظ الحقوق.
 
قصص طريفة
وفي الختام نتطرق إلى قصة طريفة مرت علينا في حكايات العرب، نستلهم منها استعادة كل ما فقدناه من مميزات مجتمعنا العربي والإسلامي وهي أن قرية تعرضت إلى غزو الجراد، فخرج جميع أهلها صغارا وكبارا نساء ورجالاً وبمختلف أسلحتهم وتمكنوا من أن يبعدوه إلى قرية أخرى، وأرادوا أن يواصلوا دكهم لأسراب الجراد في القرية المجاورة وطلبوا من شيخ القرية السماح لهم بطرد الجراد لكنه رفض وقال لهم (الجراد جاري وأنا أرفض أن أطرد جاري … وإذا كنتم مصرين على مواصلة طرده، عليكم أن تنتظروا خروجه من قريتي)، وفي قصة طريفة أخرى أن بائع دار طلب من مشترٍ أن يدفع له مئة ألف درهم مقابل داره، فرد عليه المشتري إن دارك خربة ولا يمكن أن تساوي هذا المبلغ، فرد عليه البائع إنها خربة في بنائها لكنها عامرة بجارها تأمن إليه في غيابك، ويطمئن إليه قلبك، ويشاركك أفراحك وأحزانك، وهو حريص عليك أكثر من حرص أقربائك عليك، فقال إذا كان كذلك فإن الدار لي بما طلبت.