حكومة رئيسي من استقالة وزير العمل إلى رسالة مطهري

الأربعاء 22 حزيران 2022 577

حكومة رئيسي من استقالة وزير العمل إلى رسالة مطهري
 جواد علي كسار
 
مرّت الذكرى السنوية الأولى للانتخابات الرئاسية الإيرانية، التي أخذت بيد إبراهيم رئيسي إلى كرسي الرئاسة في قصر باستور، وسط مؤشرات غير مشجّعة في الداخل الإيراني، لاسيّما على مستوى الأزمة الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، وفي الجانب السياسي ذي الصلة بتلكؤ الاتفاق النووي، وتوتّر العلاقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. في غضون ذلك كله شهد الأسبوع الماضي ارتفاعاً في هذا المؤشر السلبي، عبر ثلاثة متغيّرات مهمّة، هي استقالة وزير العمل، وإنذار البرلمان لوزير الصناعة والمعادن، وأخيراً الرسالة التي بعث بها علي مطهري إلى رئيسي، يحثّه على العودة سريعاً إلى الاتفاق النووي، إنقاذاً لإيران 
من الوضع المضطرب.
 
إقالة أم استقالة؟
يوم أن قدّم الرئيس المنتخب قبل عشرة أشهر من الآن، قائمة بأسماء وزرائه إلى البرلمان، مكوّنة من (18) وزيراً مقترحاً، ثارت همهمات بشأن مدى كفاءة عدد من هؤلاء الوزراء، ما لبثت أن تحوّلت إلى نقد جاهر تحدّث فيه الناقدون صراحة عن عدم كفاءة خُمس هؤلاء الوزراء، كما صرّح بذلك عضو الهيئة الرئاسية في البرلمان حسين علي حاج دليكاني، المقرّب من التنظيم اليميني الأصولي المتطرّف "جبهه بايدارى" (جبهة الصمود أو الثبات)، ثمّ ارتفع العدد إلى التهديد بعدم تمرير نصف الوزراء المقترحين، وهم وزراء: التربية والتعليم، العلوم، الإرشاد، الصناعة، العمل، الطاقة، النفط، الصحة، الرياضة.
لكن ما لبث الأمر أن تحوّل إلى تسوية داخلية بين قوى البرلمان الذي يهيمن عليه الأصوليون، وبين الرئاسة ضمن خطة الانسجام بين القوى الثلاث، وهندسة ذلك عبر الانتخابات الرئاسية، التي منعت من جهة صعود مرشح إصلاحي قوي، وحذفت من جهة أخرى أسماء مرشحين أقوياء آخرين على رأسهم علي لاريجاني، بذريعة عدم أهليتهم. على إثر هذه التسوية وكثمرة أولى من ثمار هندسة التوافق، وصناعة الانسجام بين الرئاسات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، مرّر البرلمان الإيراني أسماء (17) وزيراً من قائمة إبراهيم رئيسي، ولم يمنح الثقة لوزير التربية والتعليم فقط.
كان من بين من نال ثقة البرلمان في تصويت يوم الأربعاء 25 آب 2021م، شاب أربعيني تبوأ وزارة العمل، هو حجت الله عبد الملكي (ولد في ضاحية ري جنوب طهران، عام: 1981م) وكان أصغر الوزراء سناً. لكن لوحظ أيضاً في لجان البرلمان ونقاشاته لبرامج الوزراء، أن النواب أطالوا المكث مع عبد الملكي، ويبدو أن غالبية مهمّة لم ترق لهم لغة الشعارات التي كان يتحدّث بها الوزير الشاب، رغم إشادتهم بمهاراته الكلامية واللفظية، وقد ظهر ذلك جلياً في نتائج التصويت، عندما صوّت ضدّه (77) نائباً، وامتنع عن التصويت له (5) نواب، بيدَ أنه مرّ بعد أن حصل على (191) صوتاً لصالحه.
 
وزير الوعود!
كثرة إطلاق الوعود هي من وباءات العمل السياسي في الرقعة الموسومة بالعالم الثالث، وإيران لم تشذّ عن ذلك بل تعطي الممارسة السياسية فيها أمثلة لا حصر لها، في إطلاق الوعود إبّان الحملات الانتخابية، وفي أثناء ممارسة العمل التنفيذي أيضاً، والقصة لا تكاد تستثني أحداً بمن فيهم الرئيس إبراهيم رئيسي نفسه، لكن ما يهمّنا الآن هو وزير العمل، الذي تحوّل فعلاً إلى ضحية لوعوده وشعاراته.
ينبغي أن أنبّه في البدء إلى ملاحظة أساسية، هي أن وصف عبد الملكي بوزير الشعارات والوعود، ليس من عندي ولا من اختراعي، بل هو ما أجمعت عليه الصحافة الإيرانية لاسيّما خطها الإصلاحي والنقدي، عندما أصرّت في عشرات التعليقات والتحليلات على وصف الوزير المستقيل، بوزير الشعارات والوعود. والحقيقة هي لم تجانب الواقع، كما يكشف عن ذلك سجلّ الوزير، وتأريخه السياسي القصير قبل الوزارة، وفي إبّان الأيام الـ(300) التي أمضاها فيها.
 
شعارات الوزير
أشهر ما صدر عن الوزير المستقيل من دعاوى تعكس بامتياز روحه الشعارية في التفكير والإدارة، هو ما ذكره في تغريدة من أن بمقدور الإيراني أن يؤسّس لمشروع إنتاجي بكلفة مليون تومان فقط (ما يعادل 30 دولاراً أو نحو 45 ألف دينار عراقي!)؛ وما ذهب إليه في لقاء تلفازي من أن الاقتصاد الإيراني أكثر انفتاحاً من الاقتصاد الصيني؛ وأن أمام إيران مدّة 10 - 25 سنة فقط لكي تتبوأ مرتبة الاقتصاد الثالث عالمياً، وهي لا تحتاج سوى إلى (30) سنة لكي تكون الاقتصاد الثاني؛ كذلك ما ذهب إليه من أن الاستثمار الخارجي محض أكذوبة، ولا دور له بتاتاً في تطوير الاقتصاد المحلي الإيراني؛ كما استخفافه بالعقوبات الأميركية عندما ذكر أن قيمة الدولار في بلاده لا صلة لها بالعقوبات، وأن أميركا بإمكانها أن تفرض ما تشاء من العقوبات حتى تموت بغيظها؛ أيضاً ما ذكره مزهواً من استحضار شهادة لسبعة اقتصاديين أميركان، ذكروا أن أميركا لا يسعها أن تضرّ الاقتصاد الإيراني بالعقوبات، لسعة قاعدة هذا الاقتصاد.
أضف إلى ذلك وعوده من داخل الوزارة، وعلى رأسها إيجاد نحو (1,8) مليون فرصة عمل حتى نهاية العام الفارسي الحالي (آذار 2022 - آذار 2023م)؛ وما ذكره في منبر صلاة الجمعة من إعادة (1000) معمل إلى خطّ الإنتاج، وإعادة (500) ألف شاغل إلى عملهم؛ والأسوأ من ذلك كله تصريحاته الاستفزازية بوجود (1000) مدير غير كفوء في وزارته، سيبادر إلى إزالتهم وحذفهم عن مواقعهم؛ كما تصريحاته الأحادية المضطربة بشأن زيادة رواتب المتقاعدين، باعتبار أن وزارته معنية بصندوق التقاعد وشؤون المتقاعدين.
 
لماذا فعل ذلك؟
ما جاء أعلاه ليس صورة كاريكاتورية للوزير، بل هي نسخة مخفّفة جداً لشخصيته في بلده. وشخصياً لا أتبنّى في منهج التحليل السياسي الذي أُومن به، رسم صور سطحية أو مضللة للآخر الذي نُحلله، لأن ذلك ينافي برأيي القواعد المنطقية والموضوعية والأخلاقية التي أتبنّاها.
إذن، لماذا فعل الوزير ذلك؟ وما دافعه للتورّط بكلّ هذه الدعاوى والشعارات، وهو يعلم تماماً أنها تهدّد مستقبل وجوده في الوزارة؟ لابدّ من أن نعرف بدءاً أن وزارة العمل، هي من أضخم الوزارات حجماً، وأكبرها من حيث التخصيصات المالية، لاسيّما عندما نأخذ بالاعتبار أنها من الوزارات المدمجة، ، فبحسب قرار البرلمان الإيراني الصادر بتأريخ 29 حزيران 2011م بشأن تصغير حجم الحكومة، أُعلن رسمياً عن ولادة وزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي، من حاصل دمج وزارات العمل والشؤون الاجتماعية، والتعاون، والرفاه والتأمين الاجتماعي، ولذلك فلا مبالغة في الرأي الذي يذهب إلى أن لهذه الوزارة بعد الدمج، صلة بنحو 70 % من الإيرانيين، لاسيّما العمال والمتقاعدين والمشمولين بالمعونة الاجتماعية.
مقدّمة أخرى لابدّ منها ترتبط بمؤهّلات الوزير عبد الملكي، فهو وإن لم يمتلك تجربة مهنية تمكنه من قيادة وزارة كبيرة بل ضخمة مثل وزارة العمل، إلا أنه لا يفتقر للمعرفة والتعليم. فهو ماجستير في العلوم الإسلامية والاقتصاد من جامعة الإمام الصادق (من كبرى محاضن إنتاج رجال الحكم في إيران) ودكتوراه في الاقتصاد من جامعة أصفهان. إلى ذلك له (37) بحثاً ومقالاً علمياً، وسبعة مؤلفات، من بينها: الاقتصاد المقاوم (وهي أطروحة المرشد السيد علي خامنئي للاقتصاد الإيراني منذ عقد) أنموذج التكافل، الضمان والتكامل، مقدّمة لنظرية الاقتصاد المقاوم.
 
أوهام التنظير
السبب العميق برأيي يعود إلى انشداد عبد الملكي وأضرابه، لصناعة أنموذج جديد في الاقتصاد، غالباً ما يتجاوز أطروحة "الاقتصاد الإسلامي" إلى ما هو أبعد من ذلك، كالاقتصاد المقاوم مثلاً. كذلك إلى خلل منهجي آخر يقود هؤلاء إلى إنفاق جهودهم في بناء المفاهيم والنظريات، أكثر من انهماكهم في شؤون الواقع، وكأن كسب المعركة نظرياً، معناه كسبها عملياً في حقل الواقع والمعيشة والاقتصاد، والحال أن المهارات اللفظية والشعارية تجعل صاحبها يكسب الفوز في مباريات خطابية، أما الواقع فلا يتغيّر بها، لأن للتغيير في المعيشة والاقتصاد معادلاته في العلم والتخصّص، وبرامج العمل المحدّدة، والإمكانات والمهارات، والقدرة على حشد الطاقات المؤهلة والكفاءات، والإفادة من تجارب العالم من حولنا، وما أكثرها.
ما يغري هؤلاء ويستهلك طاقاتهم ويقلل من مهاراتهم التنفيذية، انسياقهم وراء "أوهام التنظير". فمن يرفع شعارات أنموذج جديد كالاقتصاد المقاوم، يرى نفسه منساقاً لرفض المبادئ المتداولة في النماذج الاقتصادية المألوفة، ويدرك حاجة الأنموذج الجديد، إلى أصول ومبادئ ومصادرات، فتكون همّته في التنظير.
في الشق الأول من مزالق هذه الحالة يتعجّل "المنظّر" رفض ما هو سائد ومألوف من تجارب التنمية ونماذجها في العالم رفضاً مطلقاً؛ كما يستعجل في الشقّ الثاني العمل النظري لتشييد الأنموذج البديل، فيقع في أوهام التنظير على نحو مركب؛ عندما يظن أن الصحيح هو رفض جميع الأصول الموجودة، ويعتقد بأنه أصبح منظّراً لا يُنازع، وهذا ربما هو السبب النفسي الذي دفع عبد الملكي إلى أن يصف نفسه، بأن: "لا نظير له في إيران كلها" (صحيفة: جهان صنعت، العدد الصادر بتأريخ 15 حزيران 2022م).
من مؤشرات هذه الحالة أيضاً أن كتابين من مؤلفاته السبعة المنشورة، تختص بالتنظير لأطروحة الاقتصاد المقاوم، والأهمّ من ذلك في القراءة النفسية لأوهام المنظّر، هي كتاب استقالته المملوء باللغة المنتفخة والتمسّك بالادّعاءات، وعدم تقديم أي اعتذار للشعب، إذ لا معنى للاعتذار عند الذوات المتضخمة التي تعيش شرنقة أوهام التنظير.
من الأسباب الأُخر التي دفعت إبراهيم رئيسي للتورّط بالوزير المستقيل وعدد آخر من الوزراء في حكومته، هو شعار طرحه المرشد بالدعوة إلى وزارة ثورية شابة، وقد أراد له أن يكون إطاراً لتجديد طاقات الحكم، وعدم اقتصاره على فئة بعينها. لكن التطبيق جاء سيئاً من حيث حرفيته ومسلكيته، ومن ثمّ تحوّل إلى ممارسة سلبية ضارّة في التطبيق، باتت اليوم تهدّد عدداً آخر من الوزراء ينتظرهم المصير نفسه.
 
وزراء آخرون
الحقيقة أن البرلمان الإيراني يهدّد منذ أشهر بإمكان استجواب عدد من وزراء إبراهيم رئيسي، وسحب الثقة منهم، وما جعل البرلمان يحجم عن المبادرة هو أسباب سياسية تكمن في هندسة العلاقة الموجودة بين القوى الثلاث الآن. أضف إلى ذلك الصراعات داخل صفوف اليمين الأصولي البرلماني الموزّع بين أنصار "جبهة الثبات"، وحزب مؤتلفة، وأنصار الأصولية التقليدية؛ والأهمّ من ذلك خشية البرلمان من موقف المرشد ومكتبه، الرافض في ما يُشاع لاستجواب الحكومة في هذا الوقت المبكر من عمرها، إذ لم تتمّ حتى السنة الأولى من سنواتها الأربع.
لذلك لجأت الأطراف المعنية إلى تسوية، تتلخص بمبادرة الحكومة نفسها إلى إقالة عدد من الوزراء، كما حصل مع وزير العمل الذي أُقيل على نحو مؤدّب، عندما طُلب منه الاستقالة. والوزراء المرشحون للاستقالة أو الإقالة بحسب التسريبات المتواترة، هم وزير الصناعة والمعادن رضا فاطمي أمين، الذي وجّه له البرلمان إنذاراً بعد مساءلته، قد يتطوّر إلى استجوابه إن لم يُبادر للاستقالة. ووزير الزراعة جواد ساداتي، ووزير الاقتصاد إحسان خاندوزي، ووزير السياحة عزت الله ضرغامي.
 
رسالة مطهري
الحقيقة أن علي مطهري نجل المفكر الإيراني الراحل مرتضى مطهري، يمثل بنفسه حالة نادرة في الواقع السياسي الإيراني، بجرأته ووضوحه وصراحته، فهو يعترض صراحة ولا يخفي اعتراضه وراء عناوين عامة، ويعلن مواقفه ويتحمّل مسؤولية ذلك، ويدفع الثمن كما حصل بحجبه عن الانتخابات التشريعية الأخيرة، ومعاقبته بعدم قبول أهليته في الانتخابات الرئاسية العام الماضي، ومع ذلك فهو لم ينثنِ بل يواصل النصيحة على أعلى مستوى.
ففي يوم الخميس الماضي بعث برابع رسالة (بحسب رصدي لعدد رسائله) إلى رئيس الجمهورية، هاجم فيها الأسلوب الشعاري في إدارة السياسة الخارجية، وحذّر من المتطرّفين والمتحجّرين الجامدين في مراكز القرار، وكان جوهر ما ركّز عليه أن الاقتصاد الإيراني مرتبط بالاتفاق النووي؛ وأن هذا الاقتصاد لا يسعه الصمود أكثر أمام العقوبات المتراكمة، وأن الحلّ السليم هو العودة إلى الاتفاق، والحؤول دون عودة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي مجدّداً، كما حصل في مرّة سابقة على عهد الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، وأن الطريق إلى ذلك يتمثل بمبادرة شجاعة يتولاها رئيس الجمهورية، يتجاوز عبرها الشعارات التي رفعها بعض السذّج والجامدين ممن ذهب إلى أن: "الاتفاق النووي كان خيانة".
جاءت هذه الرسالة قمة في الذكاء، عندما اقترح مطهري على رئيسي إجماعاً وطنياً في المسألة، يتجاوز إصرار إيران على رفع الحرس الثوري من قائمة الإرهاب؛ وذلك بإحالة الملف برمته إلى المجلس الأعلى للأمن الوطني الإيراني، لكي يخرج القرار إجماعياً، تتوزّع فيه المسؤولية بين جميع الأطراف، من دون أن يتحمّلها طرف واحد أو يتعرّض للحرج شخص بعينه.