أحلام متقاعد!

الصفحة الاخيرة 2019/07/19
...

حسن العاني 
يحصلُ في أحيان كثيرة أنْ نجانب الصواب، ونذهب من باب الوهم الى الاختيار الخاطئ، وهذا ما حصل تحديداً مع المواطن السيد (إبراهيم...) ، فبدلاً من التوجه الى الصفحة المتخصصة بشكاوى المواطنين في جريدة الصباح الغراء، قادته بساطته الى زاوية (.... ما يضحك) التي وصفها أحد الزملاء بأنها محطة للتسلية والترفيه عن القراء، وأنَّ كاتبها حاصلٌ على شهادة الدكتوراه الفخريَّة في مجال الطرائف وإلقاء النكات، وهي طعنة قاسية لم أبرأ من وجعها الى الآن، لأنَّ قائلها أكثر من زميل..
أغلب الظن أنَّ السيد إبراهيم (صاحب الرسالة التي تركها في استعلامات الجريدة) قال مع نفسه: إنَّ مشكلته يمكن حلها إذا ما تبناها أي صحافي، لأنَّ الصحافة كما يسمع تمثل (سلطة) مهمة في البلد، والرجل كما أتصور من (أهل الله) وعلى نياته.. ويبدو كذلك أنَّه لا يسمع ولا يقرأ ولا يدري بأنَّ الصحافي وزملاءه ونقابته وعشيرته (لا يحلون ولا يربطون) وبمقدور حماية مدير الناحية رميهم في المعتقل 24 ساعة، أما حماية القائممقام فقادرة على اعتقالهم 24 يوماً (طبعاً بدون مذكرات اعتقال) في حين تستطيع حماية المحافظ أنْ تتفنن في تعذيبهم ثم ترميهم في المعتقل لمدة 3 أيام من دون ماء ولا طعام في فصل الصيف أو 5 أيام من غير ماء ولا طعام في فصل الشتاء.. ومع ذلك فإنَّ ثقة الشعب العراقي بالصحافة والصحافيين وقدراتهم الكبيرة على المساعدة وحل المشكلات هي من دواعي سعادة الإعلاميين وفرحهم الكبير.
حين أعدتُ قراءة الرسالة تيقنتُ بأنَّ مرسلها – وهو رجل متقاعد يقترب من الثمانين – مواطن ساذج لا يعرف الشرق من الغرب، وإلا كيف يدعوني الى محاسبة وزارة المالية، وكأنه نسي أو يجهل بأنه لولا هذه الوزارة المباركة لتحولنا – أعني نحن الإعلاميين وموظفي الدولة بدون استثناء – إما الى شحاذين في التقاطعات أو أمام أضرحة الأئمة والأولياء والصالحين، وإما انتمينا الى حزب قوي متنفذ بغض النظر عن توافقنا معه في الدين أو الرأي أو المذهب أو القومية.. وسبب المحاسبة إنَّ راتبه – كما يزعم- لا يصل في الوقت المحدد، وإنَّ الحكومة منذ عدة سنوات تقول له إنها عازمة على توحيد قانون التقاعد ورفع رواتب هذه الشريحة التعبانة على حد تعبيره، ولأنَّ الرجل ترك رقم هاتفه وتفاصيل كاملة عن شخصه، فقد اتصلت به وسألته إنْ كان قد سمع في يوم من الأيام عن تأخر راتب مسؤول أو وزير أو نائب أو درجة خاصة أو مدير عام.. الخ ، فأجابني [لا والله ستاد]، ثم سألته [عمو إذا جنابك مو مسؤول من أي نوع، فلماذا تريد ان تساوي نفسك بهم.. وفوق هذا تطالب بقانون موحد للمتقاعدين وتعديل رواتبهم.. حجي انت وجماعتك المتقاعدين احمدوا الله لان الدولة ساكته.. والحكومه متحملتكم وتصرف لكم رواتب وانتو عطاله بطاله لاشغل ولا مشغله!] أجابني مرعوباً [ستاد.. وداعت جهالي غلطه مني.. أرجوك مزق الرسالة] قلت له [هل أنا مجنون حتى أنشرها!] انتهت المكالمة وأنا أشعر بالسعادة وراحة الضمير لأنني ساعدت مواطناً لا أعرفه على التحرر من أحلامه الوردية وأوهامه المريضة!!