الرئاسيات الإيرانية .. خيارات المرشحين السبعة بين السياسة والاقتصاد

قضايا عربية ودولية 2021/06/09
...

 
 جواد علي كسار
 
برغم أن الانتخابات الرئاسية الإيرانية المرتقب إجراؤها يوم الجمعة الـ 18 من حزيران الحالي، تتردّد بين خيارات رئيسية ثلاثة؛ هي السياسة والأمن والاقتصاد، إلا أن الغالب عليها هو الشأن الاقتصادي، وهموم الناس في المعيشة ومتطلبات الحياة اليومية، أكثر من أيّ شيء آخر.
 
أرقام صادمة
تُعدّ المواسم الانتخابية في إيران مناسبات ممتازة، لتضعنا أمام تعثرات الاقتصاد الإيراني وصدماته وأزماته، كما في الأرقام التي كشف عنها اقتصاديون متخصّصون يعملون على نحوٍ مستقل أو كخبراء ومستشارين في طاقم المرشحين وفرقهم الانتخابية. 
في هذا السياق أكّد أكثر من تقرير وبالأرقام، أن الحصار المفروض على إيران وإن كان مؤثراً في تعميق الأزمة، إلا أنه لم يكن السبب الحقيقي أو الجادّ في هذه الأزمة، ففي مدّة (58) عاماً التي تصرّمت من مسار الاقتصاد الإيراني، دخل إيران من الصادرات النفطية وغيرها، ما مقداره (2000) مليار دولار، 85 ٪ منها أي ما يعادل (1700) مليار إبّان الـ (30) سنة الأخيرة، من عمر الجمهورية الإسلامية.
الأهمّ من ذلك، أنه ما كان بإمكاننا أن نصدّق بأن حجم ما دخل إيران خلال (11) سنة مضت، هو رقم مهول بكلّ المعايير، لولا أن مصادر أرقام هذا الدخل صدرت من إيران نفسها، ففي ظلّ العقد الماضي، الذي يُعدّ الأكثر قسوة من حيث العقوبات المكثفة والشديدة، دخل اقتصاد الجمهورية الإسلامية أكبر قدر من "مليارات" العملة الصعبة، إبّان ستة عقود مضت من تأريخ إيران المعاصر. بلغة الأرقام؛ من مجموع (1700) مليار حصيلة إيران من العملة الصعبة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فقد بلغ حجم مداخيلها (1200) مليار دولار خلال السنوات الإحدى عشرة الماضية؛ وهو رقم مهول جداً لم تحظ به أي حكومة في إيران، خلال تاريخها الحديث والمعاصر!.
 
الهدر الاستهلاكي
أين ذهبت هذه المليارات؟ ولماذا لم تسهم في علاج ما يُسميه الرئيس الأسبق محمد خاتمي، المرض العضال الذي يعاني منه الاقتصاد الإيراني؟ الجواب ببساطة أن الاقتصاد العاجز عن الإنتاج، هو اقتصاد ريعي زائف لا قيمة له، يهتزّ مع الريح في أوّل عاصفة، وهذا هو مآل الاقتصاد الإيراني حتى اللحظة. فمن مجموع (1700) مليار دولار دخلت إيران خلال (30) سنة، دخل خطّ الإنتاج الحقيقي 38 ٪ من هذا الرصيد فقط، وهو ما يعادل (650) مليارا، تحوّلت فعلاً إلى سلع وخدمات استثمارية، ساهمت فعلاً في خطّ الإنتاج، أما الباقي فقد تبخّر في الاستهلاكيات التافهة، ودخلت أرباح في الوساطات الزائفة والعمولات الكاذبة وما أكثرها في إيران، عدا ما هُرّب منها إلى الخارج، إذ تُشير التقديرات إلى هروب مئات المليارات إلى الإمارات وتركيا وغيرهما، من قِبل تجار ورجال أعمال إيرانيين فقدوا الثقة باقتصاد بلادهم، وأنشؤوا المئات من الشركات، تغطيةً لنشاطاتهم في هذين
البلدين.
مقارنة مع الصين
لقد استطاع الصينيون على مدار (18) عاماً بين  1978 إلى 1996م، أن يوفّروا ما يساوي (226) مليون فرصة عمل، بمبلغ لا يزيد على ربع ما دخل الى إيران؛ أي (310) مليارات دولار فقط، بينما لم ينجح الإيرانيون بأربعة أضعاف هذا المبلغ، أي (1200) مليار دولار، في إيجاد (6,5) مليون فرصة عمل فقط!.
ليس هذا فقط، بل تظهر المفارقة بمقارنة ذات نتائج مفجعة على مستوى الصادرات أيضاً، فبينما استطاع الاقتصاد الصيني من خلال قاعدته الإنتاجية الصلبة، وإيجاد (226) مليونا من فرص العمل الجديدة، أن يبلغ بمستوى صادراته إلى (2500) مليار دولار سنوياً، في حين لم تزد صادرات إيران على (40) مليار دولار سنوياً فقط في أحسن الحالات، مع أن حجم المليارات الموجودة في الاقتصاد الإيراني، هي أربعة أضعاف ما استثمرته الصين!.
على صعيد آخر في المقارنة بين التجربتين، نجد أن نسبة النمو الاقتصادي لم تتخطّ في إيران 2,4 ٪ خلال (45) سنة مضت، بالرغم من المليارات العظيمة التي دخلت عجلة الاقتصاد الإيراني، وأغلبه في عصر الجمهورية الإسلامية، على حين بلغ مستوى النموّ في الصين 9 ٪ على الرغم من أنها ضخّت في عجلة اقتصادها، مبالغ أقلّ بكثير مما فعلته الجمهورية الإسلامية.
لكن لماذا المقارنة مع الصين، ونحن نعرف أن لكلّ بلد معادلته الاقتصادية الخاصّة به؟ أسجّل مباشرة أن من يفعل ذلك هم الإيرانيون أنفسهم، ومنهم ألمع المرشحين الرئاسيين اقتصادياً، دكتوراه الاقتصاد الجنرال محسن رضائي، وثانياً، لأن الإيرانيين مغرمون بالمقارنة، ففي يوم كان كبار المسؤولين في البلد يتحدّثون بعد انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية عام 1988م، أن أمام إيران خمس سنوات فقط لتلحق باليابان، كما ذكر ذلك نصاً رئيس إحدى القوى الثلاث.
تراجع مستوى المقارنة بعد ذلك، وأصبح الاقتصاد الألماني هو الأنموذج، ومن بعده الصين، قبل أن يتحوّل الطموح إلى ماليزيا وتركيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية، وقد تنزّل الآن إلى فيتنام!.
 
المصانع والبُنية الإنتاجية
إذا كان أقلّ الجمع هو ثلاثة في لغة العرب، فقد كرّر المرشد السيد علي خامنئي القول عشرات المرّات، بأن أزمة الاقتصاد الإيراني ليست الحصار، وإن كان الحصار مؤثّراً فيها، كما أنها ليست في الإمكانيات الأولية فهي أيضاً متوفّرة بحدٍ كافٍ يسمح بالنهوض، لا سيما إذا عرفنا من لغة الإحصاءات العالمية، أن إيران تحتلّ المرتبة (18) من بين بلدان العالم في حجم الثروات الطبيعية، إنما تكمن في إدارة الثروة، وانخفاض مستوى الإنتاج الداخلي، وقلة اليد العاملة المدرّبة، والاستهلاكية المفرطة، وكثرة الاستيراد الذي وصفه المرشد غير مرّة بأنه فعل خيانة، لشدّة الأضرار التي يُلحقها بالإنتاج المحلي؛ والتضخّم الشديد الذي دمّر القدرة الشرائية بعد انهيار قيمة العملة الوطنية أمام الدولار، والبطالة الواسعة لا سيما بين الخريجين، والهروب المبرمج الواسع للرأسمال المحلي، إلى بلدان الجوار لاسيّما الإمارات وتركيا، واضطراب السياسة النقدية والمصرفية، بما يؤدّي إلى انكفاء الرساميل المحلية عن الإنتاج، واتجاه كتلها الضخمة صوب الاستثمار في الدولار والذهب والعقار والأسهم والسندات، حفظاً
للمدخّرات.
على سبيل المثال لقد هدرت إيران خلال (30) سنة مضت (1100) مليار دولار في الاستيرادات التافهة والاستهلاكية المبتذلة، لكن مع ذلك ماذا حلّ بالرصيد الباقي الذي يصل إلى (650) مليارا؟ لقد أُنفق القسم الأعظم من هذه الثروة في بناء المدن الصناعية، لكن المآلات أخفقت مرّة أخرى، في بناء نهضة حقيقية إنتاجية داخل البلد، كما تكشف عن ذلك الأرقام، فمن مجموع (43,650) مصنعا مسجّلا، يعمل في الوقت الحاضر (33,800) فقط، وعشرة آلاف مصنع معطلة ليس لها إلا وجود ورقي.
ومن بين المصانع العاملة في المدن والمناطق الصناعية، يعمل 30 ٪ من تلك المصانع بطاقة 70 ٪، و30 ٪ أخرى بنحو 50 إلى 70 ٪، بينما تعمل البقية؛ أي الـ 40 ٪ المتبقية بطاقة إنتاجية تقل عن 50 ٪ فقط.
ما يزيد من بؤس الإنتاج الداخلي ويفاقم في أزمة الاقتصاد الإيراني، هو حجم المبالغ التي ابتلعتها المشاريع العمرانية من حيث التخصيص، لكنها جمّدت هذه الأموال بعد أن عطّلتها، إذ يبلغ عدد المشاريع العمرانية المعطّلة والناقصة (87) ألف مشروع، تحتاج إلى مبالغ هائلة تصل إلى (800) ألف مليار تومان، لكي تأخذ طريقها إلى الاكتمال.
من المفارقات المذهلة، أنه في الوقت الذي تنتظر المشاريع العمرانية والمرافق الإنتاجية الأخرى، المال اللازم لكي تكتمل وتعطي أُكلها، نجد أن الإيرانيين استهلكوا بين 2000 و2017م، ما يصل إلى (80) مليار دولار على رحلاتهم الخارجية؛ أي ما يعادل بلغة المقارنة ربع المصادر المالية التي أنفقتها الصين، في بناء ركائز نهضتها الاقتصادية؛ هذه النهضة التي صارت تدرّ عليها ما يعادل (2500) مليار دولار.
هذا الرعيل من الاقتصاديين يذكر بأن حجم مساهمة الإيراني الواحد في الإنتاج سنوياً، هو (5) آلاف دولار فقط، مقابل نحو (60) ألف دولار في أكثر من (20) بلداً من بلدان العالم. والعلة بحسب هؤلاء الاقتصاديين لا تعود إلى الوهم الذي يتحدّث عن قلة إمكانات إيران وضآلة ثرواتها وما يدخل إليها من مليارات، بل إلى الفساد وقبله الاضطراب في الإدارة، وارتكازها إلى منهجية التجريب بالخطأ والصواب. من هنا التحذير الشديد للمرشد خامنئي، وهو يقول نصاً: "ينبغي أن نعلم بأن زمان التجربة والخطأ قد مضى، ففي السنوات الثلاثين كان الكثير من موارد عملنا على طريقة التجربة والخطأ، ولم يعد من الصلاح أن نعمل بهذه
الشاكلة".
 
مشروع الفدرالية الاقتصادية
المرشحون السبعة الحاليون عاديون في الشأن الاقتصادي، يصح ذلك حتى على عبد الناصر همتي محافظ البنك المركزي، لكن الإنصاف يملي علينا الإشارة إلى محسن رضائي واهتماماته الاقتصادية المتميّزة؛ هذه الاهتمامات التي تنتهي بتفاصيلها إلى أطروحة طموحة أطلق عليها اسم "فدراليسم اقتصادى" الفدرالية
الاقتصادية.
الفدرالية الاقتصادية هو كتاب لرضائي (318 صفحة) أوضح فيه تفاصيل رؤيته الاقتصادية، لمعالجة أزمات الاقتصاد الإيراني، نترك تسليط الأضواء عليها إلى فرصة مستأنفة إن شاء الله، وقبل أن نختم لابدّ من الإشارة إلى تواري اهتمامات السياسة، وتقدّم شؤون الاقتصاد على خيارات المرشحين السبعة.
يُفسّر البعض تراجع السياسة أمام الاقتصاد، بفعل ضغوطات الأزمة المعيشية المتفاقمة داخل إيران، وهذه حقيقة لا يُستراب بها لكنها لا تكفي وحدها لتفسير الظاهرة، فالسياسة تراجعت في هذه الانتخابات لأسباب سياسية، تعود إلى ضغوطات مفروضة على المرشحين من فوقهم، بعدم ملامسة بعض القضايا الأساسية بذريعة أنها تدخل في دائرة الخطوط الحمراء، كما الخشية أيضاً من استعادة الجوّ الحماسي المشحون الذي تقارن مع انتخابات 2009م، عندما شاركت "الحركة الخضراء" وراهن مرشحها مير حسين موسوي وإلى جواره مهدي كروبي، على المحرّكات السياسية دون الاقتصاد.
اصطفاف المرشحين بتركيبة خمسة من الأصوليين (رئيسي، جليلي، زاكاني، رضائي، هاشمي) في مقابل اثنين من ضعاف الإصلاحيين، وإسقاط المرشحين الأقوياء، حوّل الانتخابات المرتقبة إلى استفتاء بارد حول قضايا معيشية، أكثر منها إلى انتخابات تنافسية حادّة على قضايا 
سياسية.