العنف الرمزي في خطاب المسرح المعاصر

بهاء محمود علوان
حين يرتبط المسرح ارتباطاً وثيقاً بالمجتمع، ويعدُّ انعكاساً طبيعيّاً لحالة المجتمع، سندرك حينها بأنَّ كل الظواهر المجتمعيّة تجد انعكاساتها داخل العملية المسرحية. لذا حين نقول بأن المسرح هو ذلك الترابط الجدلي بين المجتمع، ممثلاً بالجمهور وبين العملية المسرحية وما يدور على خشبة المسرح، نستندُ بذلك على الترابط الجدلي بين المسرح والمجتمع. إنّ ظاهرة العنف الرمزي في المسرح المعاصر، كما تناولها الباحث صميم حسب الله يحيى على وجه الخصوص، تُلقي الضوء على أعماق الديناميكيات الاجتماعية والسياسية التي تتخلل المشهد المسرحي، من خلال النظر والاستشهاد بوجهات نظر مختلفة وآراء مختلفة حول هذه القضية داخل عالم المسرح المعاصر.
يأتي "العنف الرمزي" بوصفه أحد المفاهيم التي تبحث في السلوك الاجتماعي العنيف الذي تأسس على وفق تعبير "العنف الناعم"، إذ يتخذ من بعض الثوابت الاجتماعيّة أدوات تسهم في إنتاج العنف الرمزي، ولا سيما ما يتعلق بهيمنة السلطة بأشكالها المتنوعة، وحين اختار الدكتور صميم دراسة "العنف الرمزي" لما يتضمنه من مرتكزات اجتماعية تدخل في بنية المجتمعات وما تشهده من تقلّباتٍ سياسية واجتماعية وحتى الاقتصادية. وقد سلّط الضوء في الكشف عن العديد من مرتكزات العنف الرمزي داخل البنية الاجتماعية، فضلا عن أنَّ المسرح لم يكن بمعزل عن تلك التحولات السياسية والاجتماعية عن طريق عروض مسرحية عدّة كشفت عن المهيمنات الاجتماعية وحاولت التصدي لها، وتعريف المجتمع بخطورة سيطرتها على السلوك الاجتماعي، وقد اهتم الكتاب في إبراز "العلامات، والرموز، والصور" التي يظهر فيها "العنف الرمزي" داخل البيئة الاجتماعية، وعمل على توظيفها في منظومة العرض المسرحي "السمعيّة والبصريّة" من أجل التعرّف على "علامات العنف الرمزي في عروض المسرح"، لغرض الوصول إلى غايات البحث عمل الدكتور صميم على تقسيم كتابهِ على ثلاثة فصول جاءت كما يلي: (الفصل الأول: مفهوم العنف الرمزي وانعكاساته في الحقل الثقافي، الفصل الثاني: تداوليَّة الأنساق العلاميَّة في العرض المسرحي، الفصل الثالث: تمظهرات العنف الرمزي في الخطاب المسرحي).
والسؤال المهم هو: "هل يتوافر العرض المسرحي على علامات سمعيّة وبصريّة تسهم في الكشف العنف الرمزي؟".
وتكمن أهمية هذا الكتاب:
أولاً: يفيد الكتاب المشتغلين في الحقل المسرحي عن طريق التعرّف على علامات "العنف الرمزي"، "السمعيّة والبصريّة" التي تتوافر في العرض المسرحي.
ثانياً: يمكن أن يمثل البحث إغناءة نظرية في المكتبة العراقية والعربية، في دراسة علامات العنف الرمزي في العرض المسرحي.
ثالثاً: يفيد الباحثين في علم الاجتماع، بالتعرّف على مناطق اشتغال جديدة بالمصطلح الاجتماعي.
وفي العودة إلى موضوع العنف الرمزي، وكما أفاد عنه "بيير بورديو"، حيثُ يشير إلى الأشكال الدقيقة للعنف الممارس من خلال وسائل غير مادية. أما في سياق المسرح، غالباً ما يتم تمثيل هذا العنف من خلال موضوعات القمع، والتمييز، والصراعات الاجتماعية، والسياسية. ويعمل تصوير مثل هذه الموضوعات على عكس الحقائق المجتمعيّة التي يواجهها الأفراد والمجتمعات. ولا يمكن التقليل من أهمية هذا التمثيل، حيث يعمل المسرح كمرآة للمجتمع، ويقدم سرديات تتحدى الوضع الراهن.
وقد أسهب الكاتبُ في الفصل الثالث في إبراز العنف الرمزي في المسرح متناولاً بحثهُ في عدة أبواب كان منها ما يلي:
أولاً: اللغة الدرامية، ويتأتى العنف الرمزي من خلال اللغة الدرامية "اللغة لا تقرّر فقط حدود التفكير، ولكن تجعل من المتحدث ضحية بتجريده من استقلاليته وإجباره على الكلام".
ثانياً: التطهير، ويستشهد في ذلك حين ربط أرسطو طاليس بين التطهير والانفعال الناتج عن متابعة المصير المأساوي للبطل، واعتبر أنّ التطهير الذي ينجم عن مشاهدة العنف يشكل عملية تقنية وتفريغ لشحنة العنف الموجودة عند المتلقي مما يحرره من أهوائهِ.
ثالثاً: مسرح القسوة، الذي جاء على ذكره "آرتو" حين وصف القسوة على المسرح "مسرحاً صعباً قاسياً، ولا يتعلق الأمر على مستوى العرض بتلك القسوة التي يمكن أن يمارسها بعضنا ضد البعض الآخر، بل يتعلق بتلك القسوة التي تمارسها الأشياء ضدنا، ونحن لسنا أحراراً، وقد تسقط السماء على رؤوسنا".
رابعاً: التغريب في المسرح (Verfremdung).
لقد تناول الباحث في كتابه نظرية التغريب التي جاء بها برتولت برشت متكئاً على ما جاء به سلفه الكاتب المسرحي الألماني الكبير إيرون بيسكاتور. ونظرية التغريب في المسرح، والتي تعد أهم مرتكزات المسرح الملحمي التي تؤدي إلى إفراغ الشيء من محتواه المألوف، أو المرتقب ليصل إلى هدفٍ مفاده قتل التعاطف الذي يحدث بين المُتلقي والعرض المسرحي. واستشهد الكاتب بمسرحية "دائرة الطباشير القوقازيَّة"، وطريقة التوظيف الفكري والأيديولوجي لتلك المسرحية، حين نسب الابن إلى المربية وليس للأم البيولوجية.
خامساً: المسرح النسوي، ركّز الباحث في كتابه على الهيمنة الذكوريَّة على المسرح، من خلال سرديَّة المسرح عبر التاريخ والهيمنة الذكورية الواضحة على المسرح بالرغمِ من عدم موانع اجتماعية تحد من مشاركة النساء على خشبة المسرح.
إنَّ استخدام السخريّة والعبثيّة في العديد من المسرحيات المعاصرة، إذ تصبح الفكاهة أداة أساسية للتعامل مع الصدمات ومعالجة الظلم المجتمعي. يوضح هذا التطور في التعبير الفني كيف يمكن للمسرح أن يكون انعكاساً واستجابة للعنف الرمزي. وينبغي تسليط الضوء على كيف يمكن لتمثيلات العنف أن تديم الصور النمطيّة أو، على العكس من ذلك، تتحدى السرديات السائدة. ومن خلال تشجيع الجماهير على المشاركة النقديّة في العروض. ولا يمكن تجاهل تأثير العولمة والتقدم التكنولوجي على المسرح المعاصر.
لغة العنف في المسرح
تعد لغة العنف في المسرح أداة قوية لاستكشاف ونقد القضايا المجتمعيّة. ويعود استخدام العنف في المسرح إلى العصور القديمة. غالباً ما كانت المآسي اليونانية الكلاسيكية تنقل موضوعات العنف والانتقام والحالة الإنسانيّة. استخدم كتاب مسرحيون مثل "إسخيلوس ويوربيديس" القصص العنيفة لإشراك الجماهير وإثارة التفكير حول الأخلاق والقيم. لقد أرست مثل هذه الأمثلة المبكرة سابقة لتصوير العنف كموضوع مركزي في السرد الدرامي. في المسرح الحديث، أسهمت أعمال الكتاب المسرحيين المؤثرين في تشكيل تمثيل العنف. في كثيرٍ من الأحيان، تكشف لغة "صمويل بيكيت" غير المكتملة والسيناريوهات السخيفة عن العنف الكامن في الوجود الإنساني. وعلى نحو مماثل، يتحدى "تينيسي ويليامز وإدوارد ألبي" المعايير المجتمعيّة، باستخدام العنف كاستعارة للصراعات العاطفيّة والنفسيّة. يوضح هؤلاء الكتاب المسرحيون أن العنف يتجاوز الأفعال الجسديّة؛ فهو يتجلّى في الحالة العاطفيّة والعقليّة للشخصيات. إنَّ تأثير اللغة العنيفة في المسرح له آثار بعيدة المدى. إنّه يعكس في كثيرٍ من الأحيان القضايا المجتمعية، ويوفر مرآة لواقع الجمهور. على سبيل المثال، يسلط فيلم "زبيب في الشمس" للورين هانسبيري الضوء على معاناة الأميركيين من أصل أفريقي الذين يواجهون القمع المنهجي، ويوضح كيف ينشأ العنف من القيود المجتمعيّة. وعلى نحو مماثل، يتناول كتاب "فتيات القمة" لكاريل تشرشل قضية عدم المساواة بين الجنسين، مستخدماً العنف لكشف الحقائق القاسية المفروضة على النساء. في هذه الأمثلة، تصبح اللغة العنيفة وسيلة لتسليط الضوء على القضايا المجتمعية العميقة، مما يدفع الجماهير إلى مواجهة الحقائق غير المريحة. تختلف آراء النقاد في ما يتعلق بتصوير العنف في المسرح. يزعم البعض أن هذا الأمر يؤدي إلى قلة حساسية الجمهور، مما يؤدي إلى اللا مبالاة تجاه العنف في العالم الحقيقي. ويزعم آخرون أنّها بمثابة أداة ضروريّة للنقد الاجتماعي. على سبيل المثال، حظي عمل الكاتبة المسرحية سارة كين، وخاصة في مسرحية "بلاستيد"، بالإشادة والنقد. إنّ العنف الصريح المستخدم في مسرحياتها يثير تساؤلات حول الصدمة والمعاناة، ويتحدى الجمهور للتفاعل مع مواضيع صعبة. وتؤكد هذه الاستجابة المستقطبة مدى تعقيد العنف في اللغة المسرحية. وفي السنوات الأخيرة، تطور الحديث حول العنف في المسرح. وقد استكشف الكتاب المسرحيون المعاصرون بشكل متزايد موضوعات مثل وحشية الشرطة، والعنف المنزلي، والقمع المنهجي. على سبيل المثال، يتناول فيلم "هاملتون" للمخرج لين مانويل ميراندا العنف التاريخي من خلال عدسة التاريخ الأمريكي، ويرسم روابط بين الماضي والحاضر. ويسهم استخدام موسيقى الهيب هوب وتقنيات السرد المتنوعة في تنشيط تصوير العنف، مما يجعله في متناول جمهور أوسع. وقد أدى صعود وسائل الإعلام الرقميَّة أيضاً إلى تحويل مشهد العنف المسرحي. وتتيح المنصات الإلكترونية نشر المسرحيات للجمهور الدولي، مما يوفر مساحة للحوار حول العنف.
إنَّ إمكانية الوصول إلى تسجيلات الأداء تسهل المناقشات حول آثارها في سياقات ثقافية مختلفة. ويسلط هذا التطور الضوء على أهمية مشاركة المجتمع في فهم تصوير العنف في المسرح. ومع استمرار تغير أشكال العنف في المسرح، قد تركز التطورات المستقبليَّة على تمثيلات أكثر دقة. توجد إمكانات كبيرة لتطوير تقنيات مبتكرة لسرد القصص تتناول العنف دون تمجيده. وفضلا عن ذلك، قد تتزايد الجهود الرامية إلى إدراج أصوات متنوعة في المحادثة، مما يعكس مجموعة أوسع من التجارب المتعلقة بالعنف. ويعمل هذا النهج على تعزيز بيئة حيث يمكن للجمهور التفاعل بشكل نقدي مع المحتوى، وتعزيز التعاطف والتفاهم. علاوة على ذلك، فإنّ دمج التكنولوجيا في المسرح يوفر سبلاً جديدة لاستكشاف اللغة العنيفة. يمكن للتجارب الغامرة والواقع المعزز والعروض التفاعليّة أن تخلق روابط عميقة بين الجمهور والموضوعات المقدمة. ويشجع هذا التفاعل المشاركة الفعالة والتفكير العميق حول العنف وعواقبه.