الموت في حياة سيمون دو بوفوار

ثقافة 2025/02/23
...

  ميادة سفر


كان موت جان بول سارتر الحدث الأكثر إيلاماً للفيلسوفة الفرنسية سيمون دو بوفوار، هي التي رافقته طيلة حياته وشكلت علاقتهما أنموذجاً غريباً عن المجتمع الفرنسي والعالم بما حملته من معاني الحرية والوفاء، وحين كتبت آخر كتبها "مراسم الوداع" صدر مترجماً للعربية عن دار التكوين في دمشق كانت تودع به رفيق حياتها وهي تدرك أنه أول وآخر كتاب لن يقرأه سارتر قبل نشره "هو ذا أول كتبي ــــــ الوحيد من دون شك ـــــ الذي ما كان لك أن تقرأه قبل طباعته، فهو مخصص كله لك، ولا يخصك".

كان بمثابة رسالة وداع لسارتر متضمناً الكثير من الذكريات والتفاصيل والنشاطات التي قاما بها معاً، فضلاً عن حوارات كانت أجرتها معه ولم تنشر من قبل، كان اقتراب الموت عند سارتر "يبدو كسلسلة من الحرمانات"، لكنّ الموت لم يكن يخيفه لأنّه أمر جدي وطبيعي، إنه بمثابة العودة إلى الطبيعة، وعلى الرغم من كل شيء وقد بات الموت قاب قوسين أو أدنى منه بقي سارتر متمسكاً بأفكاره ومبادئه غير نادم عليها، يقولها بصريح العبارة لرفيقته سيمون: "لست نادماً على ما فعلت، حتى أكبر أخطائي، وهي تلزمني، وغالباً ما أفضت بي إلى تغيرات أخرى"، ويرحل سارتر يوم 15 نيسان عام 1980 وعن جنازته تقول: "تلك هي الجنازة التي كان سارتر يريدها، والتي لن يعلم بها أبداً"، يبدو أن موت سارتر سيكون آخر فراق تعيشه دو بوفوار التي سترحل بعده بسنوات وتدفن بالقرب منه بعد أن نفذت وصيته بأن يحرق ويدفن رماده في مقبرة مونبارناس لتختم "موته فرقنا، وموتي لن يجمعنا، جميل أن حياتينا قد تطابقت خلال هذا الزمن الطويل".

في كتابها "فتاتان لا تفترقان" الذي نشرته ابنتها بالتبني بعد رحيلها تحاول سيمون دو بوفوار إعادة صديقتها زازا إلى الحياة عبر الكتابة والأدب، وكان لها عدة محاولات بذلك كما تقول ابنتها في تقديمها للرواية إلا أنّ جميعها باءت بالفشل، ولم يبقَ إلا هذه القصة الطويلة التي تستعيد بها سيمون قصة علاقتها وصداقتها مع زازا التي كان لموتها وقع الصدمة والكارثة التي ستظل تلاحقها طيلة حياتها.

أما كتاب "موت عذب جداً" الصادر عن دار المدى فلم يكن إلا سيرة ذاتية تحكي فيها سيمون دو بوفوار الأيام واللحظات الأخيرة لأمها، عذاباتها وتوقها للحياة التي كانت تتمتع بها وباتت الآن تفتقرها "قالت لي: أما أنا التي لم أكن أشعر بالضيق، فقد اسودت الدنيا في عيني"،  كتاب سيقول عنه سارتر إنه "أفضل ما كتبته على الإطلاق"، ربما لأنه يكشف جانباً خفياً من علاقة سيمون بوالدتها ونظرتها إلى الموت انطلاقاً من فلسفتها الوجوديّة، تناولت فيه الموت من زاوية فلسفيّة عميقة، باعتباره جزءاً من الحياة، وتفكيرها بكيفيّة العيش في هذه الحياة ونحن ندرك محدوديَّة وجودنا، مؤكدة أنّ مواجهة الموت تجبر الإنسان على التفكير بالعيش بصدق وعمق "في مواجهة الموت نجد القوة في العلاقات التي بنيناها، الصداقة والحب هما ما يجعل الحياة تستحق العيش".

كتاب يحمل في طياته تأملات عميقة عن الحياة والموت والحب والعلاقة مع الآخر، عن الفقد ومواجهة تلك اللحظات التي لا بدّ سيعيشها كل فرد منا، عن الزهد في الحياة حين يبلغ الإنسان عمراً يغدو بنظره كافياً "لقد بلغت من العمر ما يكفي لتموت"، تفاصيل وبوح عميق يجعل من هذا الكتاب على الرغم من قسوته مصدر إلهام للقرّاء وفرصة للتفكير في وجودهم في هذا الكون وأيُّ معنى لهذا الوجود، ودعوة ضمنيَّة حيناً لعيش الحياة بكل ما أوتينا من رغبة.