استراتيجيَّة التجنيس: في إشكاليَّة النّوع السّرديّ

ثقافة 2025/02/23
...

  محمد صابر عبيد

فرضت نظرية الأنواع الأدبيَّة منذ استكمال تصوراتها النظريَّة الأولى قياسات نوعيّة ذات تحديد شبه صارم، جعلت كل جنس أدبي يتزيا بمجموعة من الخواص أو المميزات، وكان الاتجاه النقدي والإبداعي يذهب دوماً نحو تعميق هذه الخصوصيّات ونقلها إلى مرحلة القدسيّة الكتابيّة، وتحول النظر جزئيّاً إلى النص بوصفه خصائص ونماذج بناء.

إلّا أنَّ التحولات الحداثيّة التي حصلت في خضم ثورة المنهجيات الحديثة خلخلت الكثير من ثوابت النظرية التي خضعت للمساءلة، وأعيد النظر بكثيرٍ من تصوراتها ورؤاها، إذ اكتشف النقاد الجدد المنضوون تحت لواء المدارس الحديثة خرافة استقلالية الأجناس وصفائها ومركزيتها، لاحتواء كل جنس أدبي على عدد لا بأس به من خواص الجنس الآخر وبعض من عناصر تشكيله، على أساس أنَّ الإبداع الأدبي على نحو خاص يكاد يشتغل في منطقة إبداعيَّة مشتركة، يفيد كل جنس أدبي من الجنس الآخر ما يقوّي خصائصه ويعمّق قدراته الفنية والجمالية. 

انقلبت الدعوة إلى ضرورة تقارب الأجناس وتسهيل فرص التلاقح والسماح الرحب لجنس معين بأن يتغذى على خصائص جنس مجاور على النحو الذي يطور أنموذجه فيه، إلّا أنَّ ذلك -وكما هو معروف- يجري بأعلى درجات الفن والوعي والإدراك والقيمة والدقة في صور الأخذ والإفادة، بحيث أنّ القصة تبقى قصة مهما أفادت من طاقات الشعر والتشكيل والسينما وغيرها، وكذلك الحال نسبة إلى الشعر والرواية وبقية الأجناس الأدبيَّة، إذ إن التغذي على طاقات الفنون الأخرى إنما يعمل على الارتفاع بمستوى الجنس الأدبي المعيّن إلى وضع مغاير ينطوي على قيم تعبيريَّة جديدة ومدهشة، انسجاماً مع كل ما يحصل في الحياة من تطورات هائلة على جميع الأصعدة بما لا يمكن الاكتفاء بالآليات القديمة في أي نشاط إنساني خلّاق.  لنقارب في هذا السياق على سبيل المثال نصّاً سرديّاً وضعت مؤلّفته تجنيساً غريباً في إطار التوصيف الأجناسي الذي أثبتته الكاتبة على صفحة الكتاب الخارجية، والكتاب هو للمبدعة الراحلة رفقة دودين إذ وصفت عملها السردي الموسوم بـ «مجدور العربان» بأنّه: «نص قصصي شبه روائي»، إذ يثير مثل هذا الإشكال الأجناسي كثيراً من اللبس في تردد النص فيه بين القصة والرواية، فالتقدير النصّي الأول هو "نص قصصي"، أي أنّه ليس "قصّة قصيرة" بل هو نص قصصي مفتوح على أفق سردي بلا حدود. 

هذا التوصيف ـ كما نرى ـ يتقصّد الالتباس، والقصديَّة هنا لا تنجح كثيراً في الوصول إلى أهدافها، على الرغم من أنَّ المحتوى السردي للعمل ـ بناءً ومبنىً ـ يسعى كثيراً إلى الإخلاص لمستلزمات التوصيف وضروراته، ذلك أن الفضاء السردي حين يكون معياراً للفصل بين نوعين سرديين متداخلين أشد التداخل هما "الرواية القصيرة" و "القصة الطويلة" فإنّه ليس من السهولة بلوغ المراد للفصل بينهما، ولا سيما أنّهما من حيث الصورة العامة المتعلقة بعدد الكلمات أو الصفحات متقاربان جداً، فكلاهما يقترب من مئة صفحة تقريباً غير أنَّ طبيعة فضاء "الرواية القصيرة" تختلف عن طبيعة فضاء "القصة الطويلة"، لكنّ هذا يحتاج إلى فحص دقيق في مكوّنات الفضاء السردي لكل منهما، على مستوى بناء الشخصيات والحدث والزمن والمكان وبقية عناصر التشكيل السردي الأخرى. 

لعل في مقدمة الوظائف التي يسعى التوصيف إلى خلقها هو فرض موجّه قرائي يدفع القارئ نحو صناعة مباهجه القرائيّة في مساحة حرّة، لا يطالب أفعال النص فيها باشتراكات نوعية يتحرك على أساسها العقل القرائي، فهي تعفيه - بقصدية تدرك تمام الإدراك نقاط ضعف النص- من تشغيل حسّ الانتماء النوعي إلى نوع سردي بعينه، وإذن فإنَّ توصيف «نص قصصي شبه روائي» هو توصيف تصدّر وجه العمل وفرض ميثاقه على منطقة القراءة، بوصفه دريئة تقلل قدر الإمكان من حماس التدخل النوعي في أرض أفعال النص وفعالياتها، لكنّها تبقي القراءة في دائرة الشكّ والقلق ولا تدعه في راحة أجناسية مناسبة لتلقّي النص.          

إنّ الالتباس واضح على نحو صارخ «نص/ قصصي/ شبه روائي»، فهو يقرّ بنصيته أولاً، وينفي كونه نصاً قصصياً صافياً، مثلما ينفي في الوقت عينه كونه نصّاً روائياً صافياً، لتدخل «شبه» مثيرة قدراً أعلى من الالتباس والاشتباك والقلق النقدي حول المفهوم والمصطلح، وهي مفردة في غاية اللبس والتعمية فضلاً على افتقارها إلى الحدود، مما يضع النص في منطقة وسطى بين القصة والرواية، وهي منطقة ضبابيَّة ليس من السهل تصورها أو الاطمئنان إليها على الرغم مما تنطوي عليه من جرأة في وصف النوع. 

لا شكَّ في أن تذكّر مصطلحات سرديَّة شاعت في هذا المستوى من الالتباس بين فني القصة والرواية، وفي مقدمتها ما ذكرناه هنا عن «القصة الطويلة» أو «الرواية القصيرة» على النحو الذي يقرّب الحدود بين الفنين على الصعيد الاصطلاحي، وربما أن الكاتبة وقعت في هذه الحيرة في التوصيف بين إمكانية أن يكون النص "قصة طويلة" مثلما يمكن أن يكون "رواية قصيرة"، ولم تتمكّن من حسم التسمية لصالح أحدهما فابتكرت هذا التوصيف للخلاص من إحراج التجنيس والعمل في منطقة دافئة اصطلاحيا ومفهوميا. 

تحول النص -في ضوء هذه الحرية التي منحتها الكاتبة لنصها السردي؛ مشحوناً برغبة التفلّت (شبه) المطلق من قوانين النوع- إلى مستودع كبير، تضع فيه الكاتبة ما تشاء من مرويات ومقولات وحِكَم وسرود وحكي من دون أية تحفظات أو قيود، لذا جاء على درجة معيّنة من الغنى والثراء في المحتوى إلا أنّه لم يستثمر كما يجب -ربما للسبب نفسه-، لأنّ الضوابط الأجناسيَّة لا بدَّ أن تحضر في هذا السبيل على نحو أو آخر.