داميان ديفيس
ترجمة: مظفر لامي
تتميز صور الفيوم بوجوه جذابة وعيون كبيرة معبرة، تبدو في تحديقها كأنّها تجمّدت في لحظة تَذكّر لأمر مهم. وهي مرسومة على ألواح خشبيّة، وموضوعة على وجوه جثث محنّطة عثر عليها في الفيوم، تعود للحقبة اليونانية الرومانية من تاريخ مصر. ويبدو أنَّ توجيه الأشخاص المتوفين إلى الحياة الأخرى مع المحافظة على هوياتهم في الحياة الأرضية هو الهدف من هذه اللوحات التي أثارت عند اكتشافها في القرن التاسع عشر الكثير من الجدل حول هوية شخصياتها، ومن رسمها، وعمّا تفصح عنه حول ذلك العصر الذي تميز بتبادله الثقافي وتقاليده المختلطة. وحتى يومنا هذا، ما تزال هذه الوجوه النابضة بالحياة محاطة بالكثير من الأسئلة حول ما تكشفه عن الهوية والمكانة، وعن كيفية إدراج أعمال كهذه ضمن غيرها من الصور في تاريخ الفن؟
لغز هذه الأعمال وكل ما دار حولها هو موضوع كتاب "صور الفيوم الغامضة، وجوه من مصر القديمة" الذي يوفر لنا فرصة جديدة للتفكير في كم المعلومات التي نعرفها، والتي لا نعرفها عن هذه الأعمال الاستثنائية. وهو إعادة إصدار لمطبوع للكاتبة والفنانة يوفروسين دوكسياديس، صدر قبل ثلاثين عامًا. ويمثل فرصة لإعادة النظر في هذه الأعمال الرائعة وإعادة وضعها في سياقها من خلال رؤية حديثة. وفي مقدمة الطبعة الجديدة، تضع الكاتبة المصريَّة "أهداف سويف" القرّاء أمام تحدٍّ للتفكير خارج حدود متاحف تاريخ الفن، متسائلة: أيّهما أهم، تصنيف الفن أم وضعه في سياقه؟ ومن خلال وضع صور الفيوم في تقاطع التقاليد المصريّة، اليونانيّة، الرومانيّة والسوريّة، يفتح الكتاب نافذة لفهم كيفية تطور الممارسات الثقافيّة وتداخلها. ويعكس هذا النهج الجهود الأوسع نطاقًا لتفكيك وتوسيع مجموعة تاريخ الفن التقليديّة، ويذكِّرُنا أنّ فعل التصنيف هو في حدِّ ذاته دافع غربي عميق.
ما يجعل هذه الصور جذابة بصرياً، إنّها خالدة وشخصية في آنٍ معاً، فأنت تشعر عند مشاهدة واحدة منها أنّك تنظر لصور شخص عزيز من عائلتك، أو صورة موضوعة بعناية في مراسيم جنازة معمدانيَّة. ولنأخذ مثلا صورة ألين التي رسمت في حوالي 69 - 117م، والتي تسمى أيضًا تينوس، وهي منفذة مباشرة على الكفن الكتاني الذي لف به جسد السيدة المتوفاة، وإلى جانبها رُسمت صورتان أخريان يُفترض أنهما يعودان لابنتيها. في لوحة ألين تأثير آني آسر، يتجلى في التقاء نظراتك مع نظراتها المحدقة بهدوء وقوة لا يمكن مقاومتها. وما فيها من حميميَّة توحي أنها ربما رسمت من الواقع للتذكير بإنسانيتها ودورها كأم وشخصية تستحق أن تُخلَّد، فضلا عن تجسيد صورتها الشخصية.
تجدر بنا الإشارة أن القيمة الجمالية التي تحملتها هذه اللوحات كانت مصدراً للخلاف. وبحسب توضيح لدوكسياديس، كان العلماء الأوائل مترددين في قبول فكرة أن هذه الأعمال المتقدمة تقنياً تعود بنشأتها إلى الفترة اليونانية الرومانية في مصر، وهذا الموقف كشف لنا الكثير عن التحيزات التي يتضمنها فهمنا لتاريخ الفن وحدود المسار الخطي للتقدم الفني.
تضمنت محتويات الكتاب العديد من المقالات المختلفة، لكننا نلاحظ أن التركيز منصب على الصور التي قدمت بحجم كبير وبألوان غنية، تتيح للقارئ التمعن في براعة رسمها. وهي مقسمة لثلاثة أجزاء رئيسية، خصص الأول منها لاستكشاف السياق الثقافي والاجتماعي والديني لمصر اليونانية الرومانية، ثم ينتقل في الجزء الثاني إلى تقديم تعليق مفصل عن سمات وتقنيات الصور المدرجة. وفي الجزء الأخير يتم تناول مواقع الاكتشاف، ويتعمق في مصدر هذه الأعمال ورحلتها في عالم الفن الحديث.
تشعر وأنت تنظر لهذه اللوحات أنّ لمسة سحرية كانت وراء احتفاظها بغنى ألوانها؛ الأصفر والبني والذهبي، وهو دليل على المناخ الجاف الذي صان هذه الأعمال لعدة قرون. ورغم أنّ اللوحات تتبع تقاليد جمالية مشتركة، إلّا أنّ كل واحدة منها تكشف عن شيء فريد في مهارة وأسلوب الفنان الذي رسمها، فضلا عن خصوصية الموضوع، والسمات الثقافية لزمن نشأتها. ولنأخذ على سبيل المثال صورة رجل من أواخر فترة فلافيان- تراجان ( 81-117م ). فهذه اللوحة بارزة التفاصيل وحادة تقريبا مقارنة بضربات الفرشات الدقيقة والخطية ورِقَّة نظرات لوحة ألين. وهي منفذة باستخدام شمع بونيقي تم التعامل معه بالفرشاة باردًا وممزوجًا بالزيت أو البيض. وطبقات طلاء اللوحة وملمسها يعطيان انطباعا أنّ وجه الرجل مجسد بصورة نحتية، تجعله قادراً على الخروج من اللوحة. ما يهمني في دراستي لهذه اللوحات لا يتعلق بالأسلوب أو التقنيات، بل بفكرة الإنتاج الثقافي كوسيلة لتبادل النقاش. وهذه الصور الشخصية هي جزءٌ من حوار أكبر، يمتد عبر الزمان والمكان، يُظهر الكيفية التي تتطور بها التقاليد وتتكيف من خلال أنامل وأفكار الفنانين الذين يتعاملون معها. وتوجهات الكتاب تبدو متوافقة مع معرض "رحلة إلى مصر" الذي يدعو للاعتراف بقدرة الممارسات الفنية المصريَّة على إلهام الناس في جميع أنحاء العالم، والتساؤل عن كيفية تعامل الفنانين معها بشكل مدروس وباحترام تام بدلًا عن استغلالها. كما يوجه الكتاب والمعرض تفكيرنا إلى معنى أخذ الرموز الثقافية وجعلها ملكًا لنا. فمن له الحق في القيام بذلك؟ وفي أيّ ظروف؟ وماذا يحدث عندما تُسلب هذه الرموز أو يعاد تصورها من قبل أناس حرموا من الوصول إلى آثارهم التاريخيَّة؟
يحثنا الكتاب والمعرض كذلك على مواجهة التعارض بين تكريم التاريخ المشترك والتعامل مع المحو، فالأمر لا يتعلق فقط بالاحتفاء بالسبل التي تجعل الثقافات تختلط وتتداخل، بل يتعلق أيضًا بالاعتراف بالأشخاص والمجتمعات التي تُهَمَّش في هذا التكريم. وسواء تعلق الأمر بالفنانين السود في السياقات المعاصرة أم الحرفيين المصريين القدماء الذين طغت عليهم التأثيرات اليونانية أو الرومانية، هناك دائما سؤال بشأن من يتم ذكره ومن يتم استبعاده
منهم.