أوديسا الوقت: تأويل خاص

ثقافة 2025/02/24
...

  ناظم ناصر القريشي

 

الزمن هو إحدى أكثر المعضلات الفلسفية التي حيرت العقل البشري عبر العصور، فمنذ أفلاطون وأرسطو، مروراً بسانت أوغسطين، وحتى هايدغر وبرغسون، كان السؤال عن ماهية الزمن يتجاوز العلم ليصبح جوهراً للوجود الإنساني ذاته، وهذه القصيدة كالبحث عن الزمن المفقود، وكأن الشاعر فيها يمسك وميض الشعر في الزمن، الكلمات المطبقة بشكل كثيف، تخلق تأثيراً إيقاعيا يجعل القصيدة كلوحة تبدو كأنها تتحرك باستمرار في نسقها، فالقصيدة ليست مجرد مقاربة شعرية لمفهوم الزمن، بل هي تفكيك دلالي وفلسفي لهذا الكيان المجرد الذي يتغلغل في تفاصيل الوجود دون أن يخضع لأي قياس صارم، ففي هذه القصيدة يأخذ الوقت أبعاداً مختلفة، فهو كائن ماكر، غير ثابت، يراوغ محاولات الإنسان لتحديده وضبطه، ويتجاوز المفاهيم التقليدية التي تحصره في عقارب الساعات أو تقويمات الجدران.


رسم الزمن قصيدة (تأويل خاص للوقت) أنموذجاً

رسم دالي في لوحته الفريدة (إصرار الذاكرة) الزمن على شكل ساعة تسيل ويسيل معها الوقت، مما يعكس فكرة أن الوقت ليس ثابتاً بل مرن، عابر، ومراوغ، وهذه الرؤية تتماشى مع فلسفة هنري برغسون التي ترى الزمن ككيان سيال وغير قابل للتجميد، ورسم رينيه ماغريت في لوحته (ذاكرة الزمن) فكرة الزمن كحالة من الوهم مما يوحي بأن الزمن ليس خطياً، بل هو تجربة ذهنية مشوشة، لكن جورجيو دي شيريكو رسم في لوحته (غموض الزمن) الوقت ظلا حجريا مثيراً للقلق ومتأثر بالضوء وتحولاته حيث موسيقى الصمت تعزف على مقامات السكون، والشاعر ريسان الخزعلي جعل من الوقت حجراً تأوله الضوء ظلاً، فعبرتواصله البصري يلتقط بريق الزمن الفضي الذي يلمع ويذوب خلال الوقت في حركته، وتحويله الى ظل لحجر في تناغم متوازن بين الزمن والوقت ورمزه الأبدي الساعات، وكأن الشاعر يرسم بريشة الآن حدس اللحظة الشعرية ويحولها الى أوديسا للوقت: (الوقت/  تضبطه الساعات/ ووقتُك/  ساعة  حجريّه).

لا يمكن الحديث عن الزمن كمفهوم مطلق، بل هو تجربة ذاتية يختلف إدراكها من شخص لآخر، لكن المفارقة التي يطرحها الشاعر هي أن الزمن، رغم كل محاولات ضبطه، يبقى عنصرًا منفلتًا: (من غيرِ ينابيع/ يجري .الوقت/ أكثر سيولة من الماء).

هذا التشبيه يجسّد فكرة الزمن ككيان غير ملموس، لا يمكن حبسه في إطار زمني صارم. إنه أشبه بمفهوم "المدة الزمنية" لدى برغسون، حيث لا يختزل الزمن في لحظات رياضية متتابعة، بل هو تدفق مستمر غير قابل للتجزئة أو القياس الدقيق.


لعبة الانتظار والعبث الزمني

تفكيك العلاقة بين الزمن والإنسان، حيث تصبح الساعات مجرد أدوات زينة، فهي ليست إلا محاولة بائسة لإضفاء شكل ملموس على شيء مجرد، لكن الزمن الحقيقي لا يخضع لهذه الأطر. وهنا، يظهر الزمن ككائن ساخر، يهرب من محاولات الإنسان لتجميده داخل عقارب ساعة أو برج زمني، بل إن الزمن يبدو وكأنه يعبث بالإنسان، فهو جزء من لعبة الانتظار التي تستهلك العمر دون أن تمنح الإنسان يقيناً حقيقياً: (الساعاتُ زينةُ: الأيدي، الجدران، الأبراج/ كلُّها تضبطُ الوقت/ لكنّهُ ماكر/ يركضُ خارجَ هذا التحنيط.. لعبة الانتظار لا نهائية).

وفي المقطع التالي يبدو الزمن كأنه يدور في لعبة انتظار لا نهائية، فيعمق الشاعر فكرة "الانتظار"، وهي إحدى أكثر الأزمات الوجودية التي يعانيها الإنسان، فيرى أن الزمن ليس مجرد تتابع ميكانيكي للثواني، بل هو حالة من التكرار المتغير، الذي يبدو مألوفاً لكنه لا يتكرر بنفس الطريقة أبداً: (الثانية/ الدقيقة/ الساعة/ هذه أصابع مثلث/ مزاح الوقت في لعبة الانتظار).

هذه الصورة تذكرنا بمسرح العبث، حيث يصبح الزمن مجرد دائرة مفرغة تعيد إنتاج ذاتها، دون أن تحمل أي معنى نهائي. هنا، يتحول الزمن إلى نوع من السخرية الوجودية، حيث يجد الإنسان نفسه محاصراً داخل إيقاع زمني لا يفهمه، لكنه مضطر للعيش فيه.

ما يميز شعر ريسان الخزعلي هو التكثيف والاقتصاد في الكلمات، لكنه في الوقت نفسه يفتح أبوابا واسعة للتأويل. فهو لا يستخدم الأسلوب المباشر، بل يوظف الصور الشعرية بذكاء ليجعل المتلقي يشعر بالمعنى بدلا من أن يخبره به بشكل صريح، وهذا يجعلنا نتساءل هل تنقلنا الكلمات الى معنى أبعد من الوقت؟ هل تريد أن تتحدث عن زمن مواز؟ ونحن منجذبون الى ما تخفيه من وهم وهي تتحدث عنه، ربما كانت ذرة رمل في ساعة رملية تمتحن الآن في راهنه ليصبح وقتاً في مطلق الزمن البعيد: (وحدَه/ الوقت/ يسخر من كل ثابت).


المرايا لا ذاكرة لها "فكرة الزمن غير المرئي" 

واحدة من أكثر الصور قوة في القصيدة هي العلاقة بين الزمن والهوية الفردية، حيث يصبح الزمن متحرراً من مرايا الإنسان التي تحاول إثبات وجوده: (وأنتَ/ تُخفي التجاعيد/ الوقت/ لا تُحصيه المرايا).

المرايا، التي عادةً ما تمثل وسيلة للوعي بالذات، تفشل في إدراك الزمن. الزمن ليس مجرد تغير في الملامح، بل هو كيان متجاوز لا يمكن احتواؤه بصرياً، ولا يمكن اختزاله في المظهر الخارجي، بل هو تجربة داخلية تتجاوز الإدراك الحسي المباشر.


الزمن والطوفان الأبدي

في واحدة من أكثر لحظات القصيدة كثافة رمزية، يستخدم الشاعر صورة الطوفان، لكنه يفرغها من أي دلالة خلاصية: (لا نبي، لا سفينة/ لا غراب، لا حمامة الوقت/ طوفان الزمن).

هذه الصورة تسحب الزمن بعيدا عن أي سردية دينية أو ميثولوجية تمنح الإنسان أملاً بالخلاص. لا يوجد نوح هنا، ولا سفينة تحمل الناجين، بل الزمن ذاته هو الطوفان، وهو القوة التي لا يمكن النجاة منها: (الزمن والموت – رفيقان لا يشيخان).

يصل الشاعر إلى ذروة تأملاته حين يضع الزمن في مواجهة الموت: (الوقت/ كالموت/ كلاهما لا يشيخ ).

هنا، يتجاوز الزمن كل المحاولات البشرية لفهمه أو السيطرة عليه، تماماً كما هو الموت. كلاهما لا يخضعان لفكرة الشيخوخة أو التغير، بل هما ثوابت كونية لا يمكن تجاوزها.

قراءة موسيقية

تناولت قصيدة "تأويل خاص للوقت" الزمن ككيان متحرك، سيّال، عبثي، وساخر من الثبات، لذا؛ نشعر أن هناك موسيقى ترافقنا في أفق القصيدة تعكس إحساس الزمن المتلاشي، وهذه القصيدة بأسلوبها البنائي تشبه موسيقى "البوليرو" لموريس رافيل، فهي تعتمد على التكرار التدريجي، حيث يبدأ اللحن بهدوء ثم يتصاعد ببطء، مما يعكس فكرة الزمن كحركة لا تتوقف ولا تنتهي -كما هو الحال- في القصيدة، وأيضاً تشبه موسيقى ديبوسي التي تتميز بالسيولة الزمنية، حيث لا توجد إيقاعات صارمة، بل تتحرك النغمات بحرية، كما لو أن الزمن ينساب بلا قيود، تماما كما تصوره القصيدة.


الزمن كمفهوم مفتوح على التأويل

الناظر الى تجربة الشاعر ريسان الخزعلي في قصيدته "تأويل خاص للوقت" سيجد أنه يمتلك رؤية خاصة وفريدة، فهو لا يكتب الشعر فقط، بل يفكر به، ويستخدمه كوسيلة لسبر أغوار الزمن والوجود، فالقصيدة ليست مجرد تأمل شعري، بل هي عمل فلسفي يضع الزمن تحت مجهر السؤال العميق. الزمن في هذه القصيدة ليس مجرد عقارب ساعة، بل هو كيان لا نهائي، فريسان الخزعلي لا يمنح القارئ إجابة نهائية حول ماهية الزمن، بل يتركه عالقا في حالة تأمل مفتوحة، حيث يصبح الزمن سؤالاً أبدياً لا يمكن حسمه. بهذا، تتحول القصيدة إلى مرآة فلسفية تعكس قلق الإنسان الوجودي أمام هذا الكيان الغامض الذي يسير دون أن ينتظر أحداً.