اعترافات وقصص أفلام هيتشكوك في كتاب

ثقافة 2025/02/24
...

 عبد الحميد الكناني


لا أحد يضاهي عبقرية هيتشكوك في السينما العالمية، فهو سيد التشويق والحبكة بلا منازع، إلى حد أن أفلامه غيرت الكثير من طقوس المشاهدة، إذ توقف المشاهد العربي عن تقشير الفول السوداني و "قزقزة" اللب، ولم يدخن المشاهد الإيطالي سيجارته الأثيرة،  لفرط انتباه وتماهٍ، مع ما يعرض أمامه من مشاهد تحبس الأنفاس خوفاً وتشويقاً، هذا الانطباع تولد عندي بعد قراءة كتاب "اعترافات هيتشكوك" الصادر عن الهيئة المصرية للكتاب ضمن سلسلة آفاق عالمية، وهو من تأليف المخرج والناقد فرانسوا تروفو، أحد مؤسسي الموجة الفرنسية الجديدة، وصاحب أفلام شهيرة على شاكلة: "جولي وجيم"، و"451 درجة فهرنهايت"، ترجمه إلى العربية محمود علي.

الكتاب عبارة عن حوار طويل مع هيتشكوك أجراه تروفو على مدى (45) ساعة، ناقشه في الأفكار والرؤى التي تضمنتها أفلامه، كما تناول تفرده بخصائص معينة وأسلوبه في الإخراج، واختياره الممثلين أبطالاً.

 وبحسب تروفو فإن "التشويق هو ادخال الجمهور باعتباره شريكاً في الفيلم، وهذا يعني أنه عرض وليس مجرد لعبة مشتركة بين المخرج وممثليه، وهذه اللعبة لا تكتمل من دون مشاهدة الجمهور باعتباره المستهدف".

 ويكشف المؤلف أن عنصر التشويق خلال السياق الفيلمي أشبه بمسيرة "وسط الغابة"، ووسيلة شاعرية تساعد على إثارة العواطف والمشاعر، وتجعل القلب يزداد خفقاناً. وأضاف صاحب "400 ضربة" أن وصف هيتشكوك بالتشويق يشبه اتهامه بأنه أقل المخرجين مللاً.  

 ويسترسل المؤلف في القول "إن فن الإخراج من الصعب السيطرة عليه، نظراً لما يستدعيه من عمل مجاميع من الفنانين والفنيين في عملية الإنتاج"، ومن وجهة نظره، فإن  سر فشل الكثير من المخرجين، يعود إلى غياب عقل يجمع بين التحليل والتركيب، ويستطيع الجمع بين مراحل العمل المعقدة من تصوير ومونتاج، ولعل أكبر خطر يواجه المخرج هو فقدان سيطرته على هذه المراحل أثناء الإخراج، ويلمح تروفو إلى أن الاتهامات التي توجه لهيتشكوك كثيرة، منها:  إصراره على الوضوح والبساطة، اللذين يحدان من قدراته السينمائية إلى درجة تجعله أقرب إلى الأفكار الطفولية، لكنه يستدرك القول بإن لهيتشكوك مقدرة فريدة في تصوير أفكار شخصياته، بوضوح ومن دون اللجوء للحوار، وهذا لوحده سبب كاف لجعله مخرجاً واقعياً.

ومن اعترافات هيتشكوك في الكتاب أنه يعشق التلاعب بعقول الجمهور، إذ وصف نفسه بالساحر، كما أنه لا يحبذ الارتجال في العمل، فكل شيء محسوب وفق "سكربيت مكتوب"، وكشف الكتاب سبب تحول مشهد مقتل السيدة في الحمام بكل هذه الإثارة من دون أن نرى طعنها بالسكين، وذلك بفضل المونتاج السريع واللقطات المتقطعة، واعترف هيتشكوك بكرهه للنقاد "الذين يصفون أفلامي بالتافهة"، وكشف حوار تروفو مع سيد التشويق معلومة مهمة، إذ قال هيتشكوك لمحاوره: إن هنالك فرقاً بين الإثارة والمفاجأة، موضحاً إذا وضعت قنبلة وانفجرت فهذه مفاجأة، أما إذا وضعتها والكل لا يعرف وقت انفجارها فهذه الإثارة.

 ويشير المؤلف إلى أن هذه الحوارات جرت عام 1962 مع المخرج هيتشكوك المولود في لندن عام (1899)، الذي عشق السينما في طفولته من خلال مشاهدة الأفلام وقراءة المجلات المتخصصة، وعمل في الإعلان وتعلم كتابة السيناريو، ثم أخرج فيلماً تسجيلياً وعمل مساعداً مع مخرجين محترفين، ودخل عالم الإخراج وأخرج عشرات الأفلام، معظمها حقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً، أشهرها: "المقتدر"، و"الطيور"، و"الشك"، و"الحبل"، و"النافذة الخلفية".

 تضمن هذا الحوار الطويل قصص أفلامه وظروف تصويرها وإخراجها، فضلاً عن تقديمه إضاءة واسعة لكل ما يتعلق به وبالذات عشقه وإبداعه في السينما، فمن المعلوم أن الفريد هيتشكوك استقطب الممثلين المشهورين في أفلامه، منهم جيمس ستيوارت وكريس كيلي وكيم نوفاك وجوزيف كوتن، وانتوني بيركينز.  وتوصل تروفو من خلال حواره مع المخرج الكبير إلى أن هيتشكوك شكل ظاهرة في السينما العالمية، إذ تمتعت أفلامه بمتابعة جماهيرية كبيرة، محققة أرقاماً قياسية في شباك التذاكر، ومن وجهة نظره، فإن ملك الرعب في السينما يصنع من القصة التقليدية فيلماً مثيراً.. 

 وختاماً يعد الكتاب من أهم المصادر التي أظهرت أهمية هيتشكوك وأسلوبه السينمائي الفريد في تاريخ صناعة الأفلام.