لوشيتا هورتادو.. اللوحة بتجاعيد سرياليَّة

ثقافة 2025/02/25
...

  ابتهال بليبل 


لا يبدو لي الجمع بين الحركات "السريالية والتجريدية والرمزية" في العمل الفني مجرد مزج تقني فقط. فهو كما أظن مزج بين رؤى مُتشابكة لإنتاج لغة بصرية جديدة، تعبر عن ما وراء الواقع. وبهذا المعنى يمكن تحرير الفن من قيود التمثيل المباشر، ليصبح أكثر تعقيداً وتجريداً.. ولكنه التعقيد والتجريد الفعّال، فهناك ما هو أعمق في رمزيته وفي مشاهده الخيالية من الاشتغالات الأحادية التي تنتمي لرؤية واحدة. 

بالنسبة للوشيتا هورتادو، كأنّ التجريد في لوحتها هو جسر بين السريالية "اللاوعي" والرمزية "المعنى المُشفَّر". لقد سعت الفنانة عبر لوحاتها الخصبة إلى إنتاج أشكال تجريدية يفسّرها المتلقي كرموز سريالية واعية ودالة ومؤثرة.

إنّ مشوار حياة لوشيتا هورتادو التي وُلدت عام 1920 في فنزويلا وتُوفيت عام 2020 في لوس أنجلوس، كان معقداً لدرجة أنه لم يسلط الضوء على أعمالها إلاّ في أواخر حياتها، على الرغم من أنها كانت عضواً في حركات فنية مثل "السيناريو الهندي". لذا بدت كشخص غامض لا ينتمي للحركة الفنية إلاّ كاسم فقط. 

وهو ما يأخذنا نحو مسألة التهميش التاريخي للفنانات، ويدفعنا أيضاً كمهتمين بالنظر إلى حياتها الاجتماعية التي أثرت بشكل كبير في رؤيتها الفنية، فالزواج لأكثر من مرة والهجرة من بلد لآخر خط لها هوية أنثوية متقاطعة تتمحور حول "التهميش المبكر"، حيث لم تُنظم أول معرض فردي لها في متحف إلاّ عام 2019 أي بعمر 97 عاماً، ما يعكس تحيزات النظام الفني ضد النساء وكبار السن.

امتازت بعض لوحاتها بتصويرها لجسدها من منظور ذاتي، فيبدو للمتلقي وكأنها تتحدث عن شيء آخر لا يتعلق بالجسد، وإنما بشي أكبر وأكثر حرية وجمالية، من الممكن أن يكون تحدياً لإظهار مدى قرابة العلاقة بين "جغرافية الجسد والطبيعة" عبر خطوط دائرية ورموز ملونة. وهنا يبدو اشتغالها تقاطعاً في ظاهره بين (الأنا) و (الآخر) حيث تبتعد وتقترب من تجربة الاقصاء التي مورست ضدها.

لا تهتم لوشيتا هورتادو عبر حواراتها بالهوية النسوية بشكل صريح، لكنها دائماً ما تؤكد أن "الفن كان دائماً وسيلتي للبقاء كامرأة، كان عليّ أن أخلق عالمي الخاص".  ومن هنا فإن هورتادو بدت مترددة في تعريف شخصيتها في نتاجها الفني كنسوية، على الرغم من إدراج أو تجسيد العديد من القيم الأساسية للنسوية في مختلف أفكار لوحاتها. ولكن بالرغم من كل ذلك فإن لوشيتا هورتادو حاولت عبر أعمالها الفنية أن تكون قوة تعيد تعريف الذات الأنثوية في الفن.

إن تجربتها على غرابتها والحيف الكبير الذي تعرضت له، تبقى فاعلة لأن الفن وتأثيره لا يكون بعدد سنوات حضور الفنان البايولوجية، بل بعدد حضور أعماله التي - إن كانت عميقة - ستعيش أطول بكثير منه.