الزّهاويُّ وصِلاتُ التّثاقف مع المُستشرق الفرنسيّ لويس ماسينيون

حسين محمد عجيل
وأنا أتصفّحُ مُجلَّدًا ضخمًا يضمُّ أعدادًا مُتسلسِلةً من جريدة (البلاد) البغداديّة الشّهيرة لصاحبها الأديب والصّحفيِّ الرّائد رُفائيل بُطِّي، ظهرتْ أمام ناظري على غيرِ توقُّعٍ، صُورةٌ فنّيّةٌ مُعبِّرةٌ للشّاعر المُجدِّد جميل صدقي الزّهاوي (1863 - 1936م)، وهو شيخٌ طاعِنٌ في السِّنِّ، تتصدّرُ الصّفحةَ الأُولى من عددِها ليوم الأربعاء 23 شُباط 1944م، وتساءلتُ في نفسي عن مُناسبةَ النَّشْر الّتي حَدَتْ بجريدةٍ يوميّةٍ عامّةٍ إلى وضْعِ صُورةِ شاعرٍ مُتوفَّى في صدارة اهتمامها، وتبيّن لي أنّ ذلك اليومَ كان يُصادفُ الذّكرى الثّامنةَ لرحيل الشّاعر الكبير، فكان هذا مصدرَ فخرٍ بتاريخ صحافتنا الوطنيّة وتقاليدها قبل نحو ثمانية عُقُودٍ، حين كان الأُدباء والمُثقّفون يتصدّرون أُولى صفحاتِها. ثُمّ تنبَّهتُ أخيرًا إلى أنّ هذه المُناسبةَ نفسَها في ذكرى رحيل الشّاعر تحلُّ هذه الأيّام، ولكن في ذكراهُ التّاسعةِ والثّمانين، فيا لها من مُفارقةٍ مُتعدّدةِ الأوجه!
يستحقُّ شاعرٌ ومُثقّفٌ تنويريٌّ كالزّهاوي أن تُستعاد- في أيّامٍ كثيرةٍ من كُلِّ عامٍ- محطّاتٌ بارزةٌ من سيرتِه الثَّريّة الحافلةِ بكُلِّ ما يُحفِّزُ أبناءَ هذا الجيل على اقتباسِ شيءٍ من اندفاعته القويّة نحو المُستقبل، وهي اندفاعةٌ أثارتْ انتباهَ مُعاصريه ولَغَطِهم، كما أثارتْ عليه عواصفَ من التّهجُّمِ وسيلًا من الانتقادات، مُقابلَ تعاطُفِ ثُلّةٍ محدودةِ العدد من المُدافعين عن حُرّية الرّأي من صفوة مُثقّفي البلاد، وكذلك من بعض المُستشرقين الّذين لامسوا الحياةَ الثّقافيّةَ العراقيّةَ عن كَثَب، ووجدوا في الزّهاويِّ أُنموذجًا للمُثقّفِ الشّرقيِّ الّذي يأملون، وكان من بين هؤلاء كبيرُ مُستشرقي فرنسا لويس ماسينيون (1883- 1962م)، فقد ربطتهما صِلاتُ صداقةٍ تُمثِّل واحدةً من مثاباتِ التّثاقف العراقيِّ- الفرنسيِّ، تتطلَّبُ بحثًا دؤوبًا في الوثائق المطويّةِ لدى الجانبين لجلاء صفحاتِها.
تواصلٌ مُبكِّر
أكثرُ ما عُرِفَ عن هذا المُستشرق المُثير للجدل، اهتمامُه بالتّصوّف الإسلاميِّ، وتجنيدُه نفسَه للتّعريفِ بالمُتصوِّف البغداديّ الحُسين بن منصور الحَلّاج، والكشفِ عن مُلابسات حياته ومُحاكمته الّتي انتهت بمواجهة مصير الموت (سنة 309هـ= 922م)، فما سرُّ اهتمامه بالزّهاويّ يا تُرى؟
من المُرجَّحِ عندي أنّ ماسينيون التقى بالزّهاويِّ في أثناء إقامته الطّويلة، نسبيًّا، ببغدادَ في بعض أشهر 1907 و1908م- وكان التّنقيبُ عن الآثار السّببَ المُباشرَ في ابتعاثِ الحكومةِ الفرنسيّةِ له، وتمازجت الدّواعي العلميّةُ فيها بالدّوافعِ الاستخباريّةِ- فعرفه عن كثَبٍ واطّلعَ على آرائه التّحرُّريّةِ المُباينةِ لمُعظم مُعاصريه، ولئن لم يتوفّرْ لديّ دليلٌ مُوثَّقٌ على هذا اللّقاء، فإنّ بين يديَّ وثيقتينِ بخطِّ الزّهاويِّ- سأكشفُ النّقابَ عنهما لأوّل مرّةٍ في خاتمة مقالتي هذه- أنّه كان يتواصلُ معه كتابيًّا عبر صديقِهما المُشتركِ الأب أنستاس ماري الكرمليِّ (1866- 1947م) مُنذ ربيع سنة 1911م، وأنّ ماسينيون التقى به، بل زاره في بيته خلال سفرته الثّانية إلى بغدادَ سنة 1927م. وبين التّاريخين وبعدهما، لا بُدَّ أنّهما التقيا في رِحاب المجمع العلميّ العربيّ بدمشقَ، وهما العُضوان المُراسلان فيه مُنذ منتصفِ عشرينيّات القرن الماضي، وكانت مواسمُ إقامة دوراته السّنويّة فُرصةً للقاء والتّباحث فيما بينهما.
دوافعُ ماسينيون
يُمكن عزوُ اهتمام ماسينيون الكبير بالزّهاويِّ لعدّة أسباب ذاتيّة وموضوعيّة، أُجْمِلُها بالآتي: كان الزّهاويُّ في ذلك الأوانِ شاعرًا له شُهرةٌ في العراق والعالم العربيِّ، وله تأثيرٌ على الأُدباء والكُتّاب والمُفكّرين العراقيّين والعرب، بوصفِه أيضًا من المُشتغلين بقضايا الفِكْر، وله نتاجٌ مطبوعٌ ومُنتشرٌ عربيًّا، وهو سليلُ أُسرةٍ دينيّةٍ معروفةٍ وذاتِ تأثيرٍ في بغدادَ، فقد كان أبوه مُفْتيها، تلاهُ أخوه الأكبر، لكنّ الأخيرَ- خِلافًا لأبيه- كان يَعدُّ أخاه الشّاعرَ مارِقًا، فاستمرّت القطيعةُ بينهما لحين وفاة الأخ. ولكنَّ النّقاطَ الأهمَّ والأبرزَ هي أنّ له آراءً وأفكارًا تحرُّريّةً قياسًا بعصره، وبعضها ينسجم مع توجّهات المُستشرِقين، كالدّعوة إلى العامِّيّة، وهجْرِ الخطِّ العربيِّ، وتحريرِ المرأة، وهذه النّقاطُ الثّلاثُ هي في نظري أكثر ما شدَّ ماسينيون إليه، هذا فضلًا عن دعواته التّالية إلى التّمرُّد على عمود الشِّعر وهجْرِ قافيتِه، وسوى ذلك.
في سنة 1896م نشرَ الزّهاويُّ، بمجلّة (المُقتطف) القاهريّة البارزة عربيًّا، بحثَه الجريءَ "الخطّ الجديد"، مُجترِحًا فيه قواعدَ خطٍّ جديدٍ بديلٍ للخطِّ العربيِّ، وتضمّنَ مبحثًا فرعيًّا بعُنوان "لُغة العامّة" شغلَ نحو ثلاثِ صفحاتٍ من المجلّة، دعا فيه "بعضَ ذوي الهِمّة بأن يجمعوا قواعدَ اللُّغة العامّيّة ويُهذِّبوها بوضْعِ الكُتُب فيها وتوسيع دائرة أدبيّاتها وإضافة بعض ما يعوزها من الكلمات القديمة، مع إبدال الخطّ المُتعارف، فتعمّ هذه المُهذَّبة لسُهولتها شأنَ كُلِّ أمرٍ نافعٍ". ولم ينسَ الزّهاويُّ، المُعجَبُ بنظريّة دارون في التّطوّر، أنّ يُوظِّفَها في دعوته، فيُغازل- ضِمْنًا- فريقَ تحرير (المُقتطف) الّذي رَوَّج لها.
ولئن سبَّبتْ رُدُودُ الأفعال على نَشْرِ هذه المقالة المتاعبَ للزّهاويِّ في بلاده، فقد أثارت اهتمامًا كبيرًا خارجها، يهمُّنا منه ترحيبُ ماسينيون المُتوقّعُ بها، فقد خصَّصَ لكاتبِها فِقْرةً بعُنوان "مُستقبل هذه اللّهجة: رأي الزّهاوي"، في كُتيّبه "تعليقات على لهجةِ بغدادَ العربيّة" الصّادر بباريس سنة 1913م (ترجمه أكرم فاضل وطُبِع ببغدادَ سنة 1962م)، مُشيدًا بجُرأته و"فِكْره الحُرّ"، وكتبَ يقول: "لقد أذاع حديثًا أحدُ أُدباءِ بغدادَ، المعروفُ بأنّه فيلسوفٌ وشاعرٌ مطبوعٌ للغاية، والمُتَّهمُ بالزّندقةِ (التّفكير الحُرّ)، أَلا وهو الشّيخ جميل صدقي الزّهاويّ، بخُصُوص اللّهجةِ البغداديّةِ الدّارجةِ. لقد أذاعَ الزّهاويُّ حديثًا، ومُعزِّزًا رأيه بالأمثلة، بأنّ اللّهجةَ البغداديّةَ الدّارجةَ ستحلُّ قريبًا محلَّ الفُصحى، فارتطمتْ نظريّتُه ارتطامًا عنيفًا بالرّأي الدِّينيِّ السّائدِ... وأثارت فكرتُه مُجادلاتٍ ومشادّاتٍ حادّةً".
إصرارُ الزّهاوي ومتاعبُه
لم يكتفِ الزّهاويّ بهذه المحاولة برغم ما لقيه جرّاءها، بل أردفها باثنتين بعد 14 عامًا نشرهما في مصرَ أيضًا، وحاول أن يُرسِّخَ فيهما مقولاته السّابقة، فقد نشرَ بجريدةُ (المُؤيَّد) القاهريّة الواسعة الانتشار يوم 7 آب 1910، مقالتَه الشّهيرةَ "المرأة والدّفاع عنها"، باسم مُستعار هو (صوت إصلاحيّ من العراق)، ونَشرَ فيها بعد يومين مقالتَه "لُغة الكتابة ووُجوب اتّحادها باللُّغة المَحْكِيّة"، الّتي تعرَّضَ فيها للحِجاب، وعدَّ من أسباب تأخُّر العرب أنّهم "يكتبون غيرَ اللُّغة الّتي يحكونها". وقد أثارت المقالتان موجةً من السُّخط، وتلقّى بسببهما رُدُودًا سلبيّةً وتهديداتٍ، وسُرعان ما ترجم ماسينيون المقالة الأولى منهما إلى الفرنسيّة في مجلّة (العالم الإسلاميّ) الصّادرة بباريس.
الزّهاويُّ في مُراسلات ماسينيون
إلى الكرمليّ
تضمّ رسائل ماسينيون إلى الكرمليِّ، الّتي ترجمَ الرُّوائيُّ علي بدر قسمًا ضئيلًا منها إلى العربيّة في كتاب صدرَ سنة 2005م، كثيرًا من الإشارات للزّهاويِّ، تُظهرُ مدى اهتمامه به ولا سيما مطلع سنة 1911م، منها رسالتُه في 16/ 1/ 1911، الّتي يقول فيها: "أشكرك كثيرًا على ما وافيتني به من تفاصيلَ عن الزّهاويِّ، وإنّي مُندهِشٌ لعدم استلامك عددَ تشرين الثّاني من المجلّة! وعدد كانون الأوّل هو أيضًا يتحدّثُ عن الزَّهاويِّ".
وفي موضعٍ آخرَ من الرّسالة يطلبُ من الكرمليِّ أن يقتني له أبرزَ ما يصدر من كُتُبٍ ببغدادَ قائلًا: "إنْ حدثَ صُدفةً مرّتين أو ثلاث مرّاتٍ في العام، ظُهُورُ كتابٍ مُهمٍّ في المكتبات مثل (كتاب الزّهاويِّ على سبيل المثال) فتكرَّمْ بإلقاء نظرةٍ عليه ثُمّ ابعثه لي، وأشكرُكَ على ذلك مُقدَّمًا". وأفادَ المُترجِمُ في الهامش أنّ كتاب الزّهاويِّ المُشار إليه هو "الجاذبيّة وتعليلها" الصّادر أواخر 1910م.
وفي رسالته يوم 20/ 1/ 1911 يكتب للكرمليّ: "إنّ الزّهاويَّ كان موضوعًا لثلاثِ مقالاتٍ في مجلّة (العالم الإسلاميّ): 1. عدد تشرين الثّاني ص465، 470 حول مسألة الحِجاب، 2. عدد كانون الأوّل من العام 1910 حول موضوع السَّيّد جمال الدّين الأفغانيّ، 3. "الزّهاويُّ في الصّحافة العربيّة". ويُرجِّحُ المُترجمُ أنّ المقالةَ الثّانيةَ تربطُ بين الأفغانيِّ والزّهاويِّ بمفهومي الفكر الحُرِّ والعقلانيّة.
ويقولُ في رسالته يوم 30/ 1/ 1911م: "استلمتُ هذا الصّباحَ الطَّرْدَ الّذي يشتملُ على الصُّحُف والكُرّاسات الّتي تُهاجم الزّهاويَّ. إنّ ما أرسلتَه هو بالضّبطِ ما كنتُ أتمنّاهُ وأُشكرُكَ عليه بحرارةٍ كبيرةٍ". وذكرَ المُترجمُ أنّ تلك الصُّحُفَ هاجمت الزّهاويَّ في قضيّة الحِجاب والسُّفُور.
وفي رسالته يوم 28/ 2/ 1911، يقول: "إنّي سعيدٌ لأنّ الزهاويَّ استطاع أن ينجو ممّا وقع فيه". وأحالَ المُترجِمُ على كتاب "الزّهاوي بين الثّورة والسُّكوت" لعبد الرّزّاق الهلاليِّ قائلًا: "رُبّما يتحدّثُ عن الهُجوم الّذي قام به العامّةُ على منزل الزّهاويِّ. وذلك لآرائه الجريئة في مقالته عن المرأة. وقد كتبَ رسالةً إلى ناظِم باشا والي بغدادَ بذلك مُدَّعِيًا أنّ أحد رجال الدّين حرَّضّ العامّةَ في صلاة الجُمعة على قتلِه".
ويقول ماسينون في موضعٍ آخرَ من الرّسالة نفسِها: "لا بُدَّ أنّ تكون استلمتَ العددَ الحادي عشر من المجلّة، وأن يكون الزهاويُّ راضيًا. هل يُريد نُسخةً منها؟".
اعتراضاتُ الزّهاويّ
ويتوقّف ماسينيون في رسالته يوم 9/ 5/ 1911، عند اعتراضات الزّهاويِّ على مُقارنته بالمُفكِّرِ الإصلاحيِّ السُّوريِّ عبد الرّحمن الكَواكبيّ (1849- 1920م) مُؤلِّفِ كتابِ "طبائع الاستبداد"، وتأثُّرِه بالمُفكّرِ وعالمِ الاجتماع الفرنسيِّ غوستاف لوبون (1841- 1931م)، كاشِفًا عن خلافٍ حادٍّ في الرّأي شجرَ بينهما: "أمّا فيما يتعلّقُ بالزّهاويِّ، فأنا أشكره كثيرًا على رسالته، ولكنّها لا تُقنعني، فلستُ أوّلَ مَن قال بوُجودِ علاقةٍ بينه وبين الكَواكبيِّ... أنا نادمٌ قليلًا لأنّي كتبتُ له. تقولُ لي إنّه لم يقرأ (المُقتطف) أبدًا، وإنّه يجهلُ الدّكتور (لوبون)، ولكنَّه يتناقضُ مع نفسه إلى حدٍّ خطيرٍ، حين يقولُ هذين الشّيئين في آنٍ واحدٍ، ذلك أنّ التّحليلاتِ المُفصّلةَ لآراءِ الدّكتور لوبون موجودةً تحديدًا في مجلّة (المُقتطف)، راجع في آخر المطاف أعدادَ 1910، مقالته حول (علم نفس الجُمهور) أو (رُوح الاجتماع) حيث يتمّ ذكره بوضوح". وتتكرَّرُ الإشاراتُ له في رسائلَ لاحقةٍ، يتتبُّع فيها بشغفٍ أخبارَ الزّهاويِّ.
رسالتان بخطِّ الزّهاويّ
تُنشران لأوّل مرة
ويُسعدني في هذه المُناسبةِ الكشْفُ عن رسالتين مجهولتين بخطِّ الزّهاويِّ، لم يسبقْ نشرُهما من قبلُ، بعثَ بهما إلى أنستاس الكرمليِّ، الأُولى في 23/ 3/ 1911، والثّانية في 19/ 12/ 1927 بالتّزامن مع ثاني زيارات ماسينيون إلى بغدادَ، وفيها موقفٌ طريفٌ وقعَ فيه الزّهاويُّ كعادته، حين التبسَ عليه مغزى عبارةٍ على بطاقةٍ تركها له ماسينيون.
تُلخِّصُ الرّسالتان طبيعةَ التّثاقفِ بين الرّجلين على مدى عَقْدٍ ونصفِ العَقْد من الزّمان، وأنّه كان يتمّ عبرَ مُكاتباتٍ مُباشرةٍ بالعربيّة بينهما- فضلًا عن خُطوط التّواصلِ عبرَ الكرمليِّ- آملُ أن تُبديها الأيّامُ منشورةً في وقتٍ لا يطول أمدُ انتظاره، وتُظهران استمرارَ الصِّلاتِ بينهما وتشعُّبِها لتأخذَ طابعًا صداقيًّا شخصيًّا وزياراتٍ منزليّةً غيرَ مُخطَّطٍ لها، وتكشفان كذلك عن حرصِ ماسينيون على قراءةِ مُنجز الزّهاويِّ، ولا سيما الشّعريِّ، واستجابةِ الثّاني بتقديمه ديوانَه- هديّةً إليه، مُشيرًا إلى قصيدةٍ بعينِها يبدو أنّها كانت تهمّ ماسينيون المُوْلَعَ بالآثار، وهي في وصْفِ ما آلتْ إليه حالُ مبنى المدرسة المُستنصريّة الأثريِّ ببغدادَ، كان الزّهاويُّ نشَرَها بالتّوقيع المُستعار (ص) المأخوذ من اسمِه الأوّلِ المُركَّبِ، في مجلّة (المُقتبس) القاهريّة ثُمّ الدّمشقيّة سنة 1901م، بعُنوان (كُلّيّة المُستنصِر بالله)، ثُمَّ نشرَها بعد ذلك في ديوانه "الكَلِم المَنظوم" الصّادرِ ببيروتَ سنة 1909م، وهو الّذي أهداهُ إلى ماسينيون واصفًا إياه بالحقير، إدّعاءً بالتّواضع على عادةِ أبناء عصْرِه.
والقصيدةُ مُؤلَّفةٌ من 53 بيتًا، ومطلعُها:
وقفتُ على (المُستنصريّةِ) باكيًا رُبُوعًا بها للعِلْمِ أَمْسَتْ خَواليا
ولعلّه يُشير بعبارته "في حادثتي المأسوف عليها"، الواردة بالرّسالة الأولى، إلى ما كان تعرَّضَ له عُقْبَ نَشْرِه سنة 1910م مقالتَه الجريئةَ "المرأة والدّفاع عنها"، وقال عن ذلك في ترجمته الشّخصيّة المنشورة سنة 1928م: ""نُشِرَ لي في (المُؤيَّد) مقالٌ دافعتٌ فيه عن المرأة، فأثارَ عليَّ الشّعْبَ بإيْغارِ أعدائي، وأرادوا إهانتي أو إهلاكي، ولم أخرجْ من بيتي أُسبوعًا، وسعى أحدُهم إلى ناظِم باشا، وهو يومئذٍ والي بغدادَ، ليعزلني عن وظيفتي، ففعل".
الرّسالةُ الأُولى:
وهي غيرُ مُؤرَّخةٍ، ودَوَّنَ الكرمليُّ في أسفلِها أنّه تلقّاها في: "23 MAR 1911":
حضرة الأب العَلّامة
قدّمتُ لكم عريضةً إلى حضرة الفاضل الغربيِّ الكبير لُويس ماسينيون رجاءَ أن تُرسلوها إليه في بريد اليوم. وقدَّمتُ كذلك نُسْخةً من ديواني الحقيرِ رجاءَ أن تُهدوها كذلك منّي إليه، وتُنبِّهوه إلى قصيدةٍ فيها باسم "المُستنصريّة"، نشرَها المُقتبسُ عندما كان يصدرُ في مصرَ. والدّيوان مُفْعَمٌ بالأخطاء المطبعيّة، غير أنّ الجدولَ الّذي في آخرِه مُصحِّحٌ لتلك الأغلاط. وكذلك قدَّمتُ لكم عددًا من الإخاء يتضمّنُ قصيدةً لي نظمتُها في حادثتي المأسوف عليها أيّها الأُستاذ.
جميل صدقي الزّهاوي
نبِّهوا الفاضلَ الغربيَّ إلى أنّ قصيدة "المُستنصريّة" في الصّحيفة 63 من الدّيوان.
الرّسالة الثّانية:
وهي غيرُ مُؤرَّخةٍ أيضًا، ودَوَّنَ الكرمليُّ في أسفلِها تاريخَ تسلُّمِها: "في 19 ك1 سنة 1927":
حضرة الأب العَلّامة:
بالأمسِ زارني في حينِ غيابي عن الدّار حضرةُ المُستشرقِ الكبيرِ صديقِنا ماسينيون، وأبقى لي بطاقتَه هذه مكتوبًا عليها: "سأرجِعُ غدًا صباحًا". ولا أدري أيريدُ أنّه يرجعُ إلى داري للمُواجهة أم أنّه يرجعُ إلى فرنسة؟ وأنا الآنَ أنتظرُه على احتمالِ رُجُوعِه إليَّ؛ ولهذا لم أتشرَّفْ بك في هذا اليوم. وقد شاهدتُ (لُغة العرب) قد صدرَ عددُها الأخيرُ ولم يصلني.
أرجو إفهامي: هل يرجِعُ الأُستاذُ ماسينيون إلى بلاده اليومَ؟ وهل يتيسَّرُ ذِهابي في رفاقتك لتشييعِه؟
أرجو الجوابَ سيّدي الكريم!
جميل الزّهاوي