كائنٌ حيٌّ اسمه.. النص

ثقافة 2025/02/25
...

  وارد بدر السالم

يستشعر النص وجودنا كأي كائن حي. يعرف استجاباتنا له من عدمها. وليس مهماً أن يستميلنا إليه، فهذا تداخل نفسي بين ما يتضمنه النص وبين ما هو واقع فيه. بمعنى أن الأثر الذي يتركه فينا نسبي.

(1)

لكن قد تُعجزنا سرود روائية أو قصصية في محاولة التقاط باطنها الرمزي، ومثل تلك النصوص تتوارى خلف أقنعة الكتابة. ونسبية تأثيرها في قارئ ما، تتعلق بنسبية وعي ذلك القارئ واستجاباته وثقافته في كيفية القراءة والتفاعل مع شفراتها الشخصية. حساسية النص واردة في تضاعيف القراءة.

(2)

يضع النص على وجهه نظارات بعدسات مكبّرة كمخبر يحاول أن يتوارى عن الأنظار. لكنه بالضرورة مخبر من نوع آخر. متفاعل سري. عارف بوعي المتصفحين العابرين عليه أو الذين يفككونه بتمعن ودراية. وهذه حالات قرائية علينا أن ندركها، ونجنّب المؤلف تبعات ما نتصوره أو نحتكم إليه من نقد أو ملاحظات. وعندما يكون المؤلف خارج النص في لعبة القراءة. فهذا ليس موتاً أخيراً له كما دعت البنيوية إليه. لكنه موت وصفي. لنقلْ بأنه نقدي لا يقدم ولا يؤخر. فالنص في هذه اللمحة يبقى نصاً اعتبارياً، وإنْ كان لمؤلفٍ بعينه. يمتلك خصوصيته وشخصيته مهما كان.. لأنه مُنجز.

(3)

نظارات النص الرائية لم يضعها المؤلف؛ إنما وضعها النص ذاته، فهو كائن يعرف مساره وطريقته في استتباع أثر القراءة لدى المتلقي الخاص والعام. يتصرف كما لو أنه المسؤول عن كيفية تأثيره في الآخرين. وإذا ما كان المؤلف قد وضع شفرات الكتابة بين سطوره، فالنص يحتفظ بهذه الملامح سراً، لكنه يطابقها مع واقع القراءة. ويستجلي سماته الشخصية وتفاعلها مع غيره من الكائنات القرائية. بعيداً عن سلطة المؤلف. وقريباً من سلطته الشخصية. تلك السلطة التي لا تمتلكها النصوص العابرة. فالمؤلف يصرف وقتاً طويلاً أو قصيراً في تدبيج نصه السردي. يضع فيه ثقافته الشخصية ووعي الكتابة عنده والمصدريات المؤازرة له علماً ومعرفةً وخيالاً بلا حدود. ليكون ما يكتبه موازياً لقارئ غير معروف. وهذه هي الإشكالية التي نراها كمؤلفين نتضامن مع القراءة بوصفها كتابة مباحة للآخرين. فبعضنا يعدّ الكتابة متوجهة إلى شرائح قرائية معينة. وبعضنا يُطلقها عامةً، وبعضنا يسلك حلاً وسطياً. وكل الأطراف تقع في إشكالية متشابهة، بينما تخضع النصوص للتعريف والتأويل والاعتراض والموافقة والمتعة والإعجاب والقبول وعدمه. وهذه وصفات معروفة في تتبع الأثر النصي ومعرفة معطياته المتعددة والمختلفة. لذلك فالمؤلفون في بعض الأحيان نجدهم يتقافزون كالنسانيس بين نص وآخر. من حيلة إلى حيلة. ومن شكل إلى ثانٍ. في محاولة كسب القراءة على حساب الكثير من الشواغل الفنية التي يتوجب عليهم اقتفاؤها في تجريب نوعياتٍ قرائية جديدة. مع أن القراءة لا تكون حاسمة في تضاعيف استقبال الرأي والرأي المختلف عنه. وما نسميه بالمزاج الشخصي ليس قادراً على إنشاء صلة حميمة بينه وبين النص. لكن المزاج الثقافي لو صح التعبير، يكون هو القاسم المشترك بين القراءة والنص. والثقافة هنا هي معايرة النص بمكوناته الكثيرة، كالوصف والحوار والشخصيات والزمان والمكان وغيرها. وهي - ربما- الأقدر على إيجاد فسحة تأمل نقدية في الأقل، لتكون المناورة ممكنة بين الاستقبال والتلقي. لذلك نعتقد في هذا أن موازنة النص بثقافة الآخر- القارئ؛ ومن ثم الناقد؛ ستسهّل عملية الاستقبال الضمني للنص. لذلك نرى في (النص) إمكانية تأويلية مباشرة وغير مباشرة في أن يكون مقترحاً لكتابة ثانية، يتمكن منها مؤلف آخر. وبالتالي فإن نظارات النص الفاحصة للأثرين السلبي والإيجابي بعد قراءته سترى بوضوح إخفاقات المؤلف في هذا الزاوية أو تلك، مثلما ترى نجاحه في تنوير بقع لونية مؤثرة في اجتماعيات النص وسياقاته العامة.

(4)

عملياً، وإنْ كان النص كائناً حياً؛ ذا عدسات فاحصة، فإنه لا يستطيع أن يغيّر من مجراه ولا سبيله، ولا القفز على تسلسل أحداثه؛ كالفأر المذعور بين أصابع الصياد. عندها يمكن استمكان النص في ضعفه وقوته. وفي كل مساراته الأفقية والعمودية، ما كان منها مقنعاً أو لم يكن. فشبكة الصيد؛ مجازاً؛ هي القراءة بمختلف تجلياتها ونِسبها، لكن هذا يخضع لقوة الشبكة وفراسة الصياد وخبرته في تمرير ما يمكن تمريره من أخطاء صغيرة ليست ذات قيمة في الإملاء واللغة والوصف. غير أن قوة الملاحظة في القراءة – الشبكة- تكمن في أنها تعمل كالغربال الريفي الذي لا يمرر الأحجام غير الصغيرة من مخلفات الحصاد، وأن عيون النص وعدساته المرافقة له تستشعر هذا الخلل في أن ثقوب الغربال ضيقة إلى الحد الذي تكشف فيه عوراته. ومن الطبيعي أن تتشكل علامات كثيرة من التعارض المبدئي بين النص وهدفه.

(5)

افتراضياً ندّعي أن القراءة تتغير بمرور الزمن. يتغير وعي القارئ ذاته، بناء على منعطفات علمية وإنسانية جديدة وتكاثر نصوص سردية أخرى في ظروف غير متشابهة للظروف القديمة، جاء بها عصر الحداثة وما بعدها. وهذا من الطبيعة الثقافية التي تتغير هي أيضاً. وتبتكر اتجاهاتها إلى قارئ أصبح أكثر إمعاناً في رصد الإنتاج السردي والشعري. بما يعني أن القديم من الإنتاج النصي يتقبل جرأة القراءة المصاحبة للمتغيرات الثقافية والأدبية. ليكون أمامنا قارئان. وكل قارئ ينتمي إلى مرحلته الأدبية ويحتكم إلى وعيه الثقافي، بينما يبقى النص هو ذاته الكائن الحي الذي يتموضع في فترة ولادته، بنظاراته التي لا تكون سوداء كنظارات المخبرين الأمنيين. بل يرى فسحة الثقافة العريضة التي تتسع وتتمادى في اتساعها في عصر الإلكترونيات التي تحاول أن تغطي على ما سواها من فيوض معرفية. لكنها بالضرورة تستنجد بها، وهذا هو التفاعل الذكي بين ما مضى وبين ما هو حاصل.