شعريَّة المكان في {منتزه الغائبين}

ثقافة 2025/02/25
...

  أشواق النعيمي 


تنتمي قصص مجموعة "منتزه الغائبين" لميثم الخزرجي إلى النمط السايكولوجي، إذ تهتم بالأبعاد النفسية لسلوك الشخصيات وردود أفعالها، وجعل منطقة اللاوعي التي تمثل مخزن الألم العاطفي بؤرة لتوليد الأحداث. 

تعالج القصص التأثير السلوكي للأزمات والصدمات العاطفية التي يتعرض لها أبطال القصص، وما تتركه من اضطراب وصراع نفسي يظهر بشكل ألم ومعاناة وفقدان للذاكرة وانفصام لا شعوري في حيز مكاني يسهم في توليد أو احتواء تلك الأزمات. 

حرص القاص على الحفاظ على وحدة موضوع المجموعة مع الاختلاف في معالجة كل قصة بمزج السرد السايكولوجي بالخيال العلمي والديستوبي وعلم الطاقة الصوتية والطب التشريحي، مع ترك مساحة حرة لتفاعل القارئ وتأويل ما لم تفصح عنه القصص. 

لا يؤمن الخزرجي بالحدود الجغرافية لكتاباته التخيلية، هو يرى أن العالم على اختلاف حدوده وجنسياته فضاء متاح لسرده. وقد انعكس ذلك تقنياً وموضوعياً على مجموعته القصصية "منتزه الغائبين" التي أظهرت تأثراً واضحاً بالثقافة الغربية، باستيراد مدن ومؤسسات وشخصيات، وضع لها مسميات خيالية تتناسب مع طبيعة المكان. 

 تعد "الدائرة القصية" أول قصص المجموعة أنموذجاً لما يمكن أن نطلق عليه المكان المستورد بأجوائه وإطلالاته التي تغيب في البيئة المحلية، ولعل وجود المستشفى الخاص بمعالجة أمراض الانفصام، والعلاقة بين الإنسان والكلب كبديل عاطفي لفقدان الثقة بالبشر، وطبيعة حياة "هيلي" بطلة القصة من الثيمات التي استدعت خلق بيئة تصلح لاحتواء الأحداث ومنطقية تفاصيلها. تفصح القصة ومن الصفحة الأولى عن هويتها، بذكر أمكنة الحدث ذات الأسماء الأجنبية مثل ساحل بحر المانجن، مشفى هيلفن، شركة برانس لمستحضرات التجميل في دلالة على الارتباط الوثيق بين المكان والمعالجة السايكولوجية للحدث. 

وفي قصة "الماثل في الفراغ" خلط مقصود في أسماء الأمكنة والشخصيات، فحميد جبران هو بطل القصة الذي فقد أسرته جراء زلزال حدث في مدينة ساماس، وأصيب نتيجة ذلك بمرض الانفصام. وكسابقتها تكشف القصة من البداية عن مسرح الحدث بصبغته الهجينة، لصنع مكان بهوية إنسانية بحتة لا تعير اهتماماً للاختلاف القومي، فالوكالة العلمية اسمها رؤية، والقمر الصناعي نسرين، ومجمع الإيواء كلسون، والجامعة كاوين. 

أما أسماء الشخصيات فجاءت خليطاً بين الأسماء العربية والكردية والأجنبية. تتناول القصة موضوع الصدمة العاطفية الشديدة كنتيجة لفقدان الأسرة، ثم تخرج إلى حلقة الخيال العلمي الأكثر اتساعاً للبحث في موضوع الطاقة الصوتية الكامنة في الفراغ من خلال العلاقة التواصلية للأصوات بين الحيز الدماغي للبطل والفضاء المكاني للزلزال. يقول السارد عن الموجات الصوتية التي يتلقاها حميد في موقع الزلزال "هذه الموجات الدائرة في الذهن، وإن كانت كذلك، كيف لها أن تدخل في دماغه، وعن أي وسيلة نقلت؟"، وتربط قصة "حجرة المرايا" المرض النفسي بالأمكنة المغلقة التي تحولت إلى محطات للتقاطع الذهني بين الماضي والحاضر "لم يشعر متريانو بالراحة من دون الرجوع إلى حجرته الأثيرة التي عمدها بالمرايا متخذاً مساراً ملغزا في حياته، يرى القادم بماضيه الغزير بالذكريات، ليبصر مستقبله بعينيه السائرتين إلى الخلف" والمكان الآخر هو متحف الفلاسفة حيث يعمل متريانو، ويشعر بارتباط روحي مع تماثيله الشمعية. 

يمثل المتحف محطة ثانية للقاء بين الأمس والغد، بين اللحظة السابقة واللاحقة وتدوين كل التفاصيل للإمساك بزمن الذاكرة خوفاً من اختلاط الأوهام بالحقائق. ولم تكتف قصة "رهان القادم" بهجرة المكان المحلي حين تجاوزت الواقع الزمني إلى آخر مستقبلي يحمل السمات اليوتيوبية، تتضمن القصة ثلاث ثيمات هي، البديل الروبوتي للإنسان المتوفى، التخاطر، والخلايا المصنعة كبديل لخلايا الدماغ التالفة، رتبت تلك الثيمات بشكل حلقات سردية متداخلة ضمن القصة الواحدة. وترسم قصة "وجهة الطير" ملامح المكان المتحول "كامبو مدينة الضوء والنسيم" من الحلمي إلى الديستوبي بعد تسرب الإشعاع من محطة هيسا النووية، وما رافقه من كوارث بيئية أثرت في الأرض والبشر.   

تصور القصة كارثة الإشعاع من منظورين مختلفين، أحدهما علمي بحت يتأمل النجاة والخروج من الأزمة ويسعى لإنقاذ سكان المدينة، يقابله منظور مثيولوجي يناقش الأزمة ذاتها من وجهة نظر تشاؤمية تعتقد بقدرية الفناء كنتيجة حتمية للنوايا الآثمة لأبناء المدينة. وتفرض المقبرة مكان الموت في قصة "منتزه الغائبين" سطوتها على اللاوعي الجمعي، إذ تطرح إمكانية تغيير مفهوم المقبرة بوصفها مكاناً معادياً إلى أليف بإضفاء مفردات الحياة كأشجار الورد والطيور وصوت الموسيقى، لتغيير الصورة النمطية للموت بألوانه القاتمة في لا وعي أهل المدينة إلى صورة حية لا تثير الخوف والقلق في نفوس زوار الموتى.

وتعود قصة "اللائذون بالظل" إلى المدينة الديستوبية التي يحتكم وعي سكانها إلى الغيبيات في تفسير حتمية الأقدار، تدور أحداث القصة في زمن كوفيد 19 حيث تعيش المدينة عزلة تامة، يلجأ سليمان بطل القصة الذي فقد أسرته بسبب الوباء إلى كتابة عبارات مثل  "سننجو أيها العالم"، "ستنجون يا أولاد الأرض، ستنعمون بالحياة" على واجهات البيوت للتخفيف من رهبة الناس وزرع الأمل في نفوسهم. الشعور بالفراغ العاطفي دفع سليمان للعب دور المخلص، وحين قرر كشف نفسه تحت وطأة الشعور بالذنب، أتهم بالكذب والتجني.