د.جواد الزيدي
صدر عن دار الكتاب للنشر مؤلف د. زينب البياتي الموسوم "التحولات الجمالية لبنى التشكيل العراقي.. قراءة في النظم الشكلية للخزف المعاصر"، وهو قراءة نقدية معاصرة لمشهدية التشكيل المعاصر، ومن خلاله التركيز على "الخزف العالمي المعاصر" في ضوء نماذجه التي شكلت ملمحاً مهماً في هذا الحقل الفني. بعد المقدمة التي أوضحت فيها المؤلفة أهمية إصدار هذه الدراسة وتساؤلاتها التي أجاب عنها الكتاب في جانبه النظري من خلال استعراض لمفاهيم التحول وصيغ تداوله، بوصفه منتجاً ثقافياً لم يكتفِ بالمسار الوظيفي أو الجمالي، وإنما يتعدى ذلك إلى بنياته الثقافية وعلاقتها بالنظم المجتمعية والاختلافات الكامنة فيه التي تشي بها تلك التحولات والعلاقة القائمة بين تحول الشكل الخزفي والمرجع السسيوثقافي. استعرض الكتاب في فصله الأول مفهوم التحول على المستويات الفلسفية، والفنية، والجمالية عبر التاريخ بدءاً من الاتجاهات الفلسفية ما قبل العصر الذهبي للفلسفة الإغريقية وثالوثها المعروف "سقراط، أفلاطون، أرسطو" وبيان الافتراق بين كل منهم بحسب منهجه ويقينه المعرفي، وصولاً إلى الفلسفة الحديثة التي خصصت حيزاً كبيراً للفن في بحثها عن الجمالي، وعبر هذا البحث أفردت مبحثاً واسعاً لبيان مفهوم التحول في الفكر المادي، والتركيز على الفلسفة الماركسية، بوصفها خلاصة لهذا التفكير المادي، ومفهوم "ماركس" للبنيتين التحتية والفوقية التي تتواءم مع فن الخزف وتحولاته من فن نفعي وظائفي إلى فن جمالي يمتلك تفوقه الدلالي إسوة بالفنون الأخرى، ومناقشة مداري الفنون وما تكون عليها "الفن للفن، والفن للحياة"، لتنتقل بعدها إلى نظرية التحول في الفكر الوجودي، والجمالية المعاصرة حسب المذاهب الفلسفية والمدارس، حيث بدأت من الطروحات الأُولى للوجودية الدينية التي جاء بها "كيركجارد"، فضلاً عما جاء به "هوسرل" من إضافات نوعية في منهجه الظاهراتي، والانتقال إلى "هيدجر" ومفهومه المختلف للوجود، وإنجازاته التي قدمها عبر المزاوجة بين "الوجود، والهيرمينوطيقا، والفينومينولوجيا" وخروجه بمنهج مختلف يدعى "التقويض الظاهراتي" الذي يحاول فيه تكريس مفهوم "تأجيل الحكم على العالم"، ومن ثم العمل الفني. ليتم استكمال البحث عن مفهوم التحول في الفكر البراجماتي لدى "جون ديوي، وتشالز بيرس"، وصولاً إلى استعراضه في فلسفة العلم والجمالية المعاصرة، الذي تناقش فيه الرمزية الفنية، وتأويل العلامة من خلال مفهوم الدلالة والبنية في ضوء آراء "كاسيرر، وسوزان لانجر"، وصولاً إلى تفسيرات "باشلار" ومزاوجته بين فلسفة العلم والخيال القائم على التفكير الحالم.
فيما حاولت المؤلفة في الفصل الثاني ملاحقة نظرية التحول في المناهج النقدية المعاصرة بدءاً من البنيوية، بوصفها مرحلة فاصلة في التفكير النقدي تفصل بين الما قبل والما بعد، ومن سماتها "التحول الذاتي" الذي يعد واحداً من خصائص المنهج البنيوي، ويستمر اتساع هذا المفهوم فيما تلاه أيضاً سواء من خلال الإتجاهات البنيوية "النفسية، والتكوينية، والاجتماعية" أو تصدر هذا المفهوم في المناهج النقدية الأُخرى، والدور الذي لعبه الناقد "رولان بارت" في تكريس هذه المناهج سواء كان ذلك على مستوى البنيوية، أو ما تلاها مثل السيميائية وإغنائه نظرية التناص مع "جوليا كريستيفا"، والعودة إلى مرجعيات هذه النظرية في تشاكل النصوص مع بعضها والإشارة إليها، أو من خلال "حوارية باختين" الذي أثرت بشكل كبير على الطروحات المعاصرة.
كما أن في استعراضها للمنهج "السيميائي" محاولة للتفريق بين مدرستي التطبيق "الفرنسية، والأمريكية" في ضوء خصائص كل منهما من حيث الآلية والتطبيق، وعلاقتهما في الإتجاهات الفلسفية التي أخذت منها هذه المدرسة أو الإستراتيجية الكبرى، مروراً بالتداولية، بوصفها واحدة من الاتجاهات السيميائية كما يعدها البعض، كونها تعتمد العلامة في مدارها الثقافي والنفعي من خلال استعمالها وتداولها من قبل المتلقي، أو منتج العلامة نفسها، سواء كانت هذه العلامة على صعيد اللسان أو هي علامة مرئية لها مضامينها البصرية، وصولاً إلى التقويضية أو التفكيكية التي تحمل خصائص ما بعد الحداثة الفكري، والتركيز على المرتكزات الأساسية التي جاء بها "جاك دريدا" مثل نقد التمركز، بوصفه السمة الأولى التي يتسم بها هذا الفكر، كما يقف في مقدمتها أيضاً "الاختلاف" الذي يتشاكل مع مفاهيم "الإرجاء، والإغلاق، والتحول" أو هو تحول في أساسه وجوهره.
وقد تضمن الفصل الثالث من الكتاب ملاحقة فلسفية وجمالية لحركية مشهد الخزف الأوروبي والأمريكي انطلاقاً من الضواغط الموضوعية التي تسعى من خلالها المؤلفة إلى إيجاد مقاربات فلسفية لتحليل النص الخزفي، انطلاقاً من الطروحات النظرية التي أسست لها في ما سبق، متخذة نماذج من الخزف العالمي بمختلف اتجاهاته وجغرافيته المتعينة ميداناً لإيجاد صدق فرضياتها ضمن المصاديق العيانية التي جاءت بها. فيما اختارت نماذج تطبيقية من الخزف الأوروبي والأمريكي المعاصر، امتازت بعدم التقليدية، كونها تنتمي إلى تيار الحداثة في ضوء التوصل إلى قراءة متعالية وتفكيك النظم الشكلية للأساليب والاتجاهات التي تم تصنيفها وتحقيلها حسب آليات الاشتغال والتقنيات والألوان.