النساء والرجال والحب

عبد الغفار العطوي
لعلَّ الكاتبة الأميركيَّة (شيري أرجوف) في كتابها الشهير (لماذا يحب الرجال العاهرات) أرادت إيضاح حقيقة أنَّ أغلب النساء (المتزوجات) يفشلن في هندسة زواجهنَّ، ويدمرن أعشاشهنَّ الزوجيَّة بما يقدمنه من صورة قاصرة للمرأة (المضحية) في المجتمع الأميركي الذي يعاني التفكك الأسري وتمزق الهويات العائليَّة بفقدانها الرغبة في الاستمرار التقليديَّة في العيش المشترك في البناء والتكامل الأسري.
وتقترح ارجوف نموذج المرأة (اللعوب) لإنقاذ تلك العلاقة التي تحسبها النساء الصورة المثلى في العيش الرغيد مع من يحببن، فهي تسخر من عنوان كتابها (وتشاركها هدى القصاص التي قامت بترجمته للعربيَّة موضحة الأسباب الوجيهة التي دفعتها للترجمة) لأنَّ مفهوم (اللعوب) لديها لا يعني المعنى الشائع له، بل العكس فقد رغبت في الإفصاح عن حقيقة ما تريد منها، بما ينسجم وتفكير بعض النساء، ولكنْ لا يعترفن به، كل امرأة مضغوطة من التظاهر بالاحتياج للرجل، كل امرأة تشعر بالانجذاب للرجل الذي تحتاج إليه كثيراً، وفي الوقت ذاته التي تهتم لفقده.
وتصرح أرجوف: هذه مشكلة شائعة بين أكثر النساء المتزوجات والعازبات على حدٍ سواء في الولايات المتحدة بالذات، وهو شعورٌ واحدٌ ترسخه النساء في نفوسهنَّ ومشاعرهنَّ مهما اختلفت الظروف، كما تتعبره أليس مونرو في (حياة الصبايا والنساء ترجمة سهى الشامي وشهاب ياسين ص 147).
أما بالنسبة للنساء في عالمنا اليوم، ففكرة (العاهر) في نموذج المرأة تحت ضغوط الرأسماليَّة المتوحشة، فلا يتعدى حدود التصور اللاأخلاقي، أي الصورة النمطيَّة للمرأة الخارجة عن نسق النساء المطيعة، ولقد كانت الحضارات القديمة (حضارات العراق ومصر القديمة) أكثر وعياً وانفعالاً في النظر نحو الزواج، والنساء المتزوجات بما يطلق على (هندسة الهيمنة على النساء) من خلال إطلاق (الزواج المقدس) الدكتورة ميادة كيالي تتبع الزواج في تلك الحضارات بدقة في ما يتعلق بمدى الحفاظ على بقاء تلك الأعشاش الزوجيَّة تستمر بسلام، من أول ظهور الزواج في التاريخ القديم بوصفه ارتباطاً بين طرفين تكون بينهما علاقة جنسيَّة مقبولة ومعترفٌ بها في المجتمع، هدفها الإنجاب والمتعة وفق قوانين وتقاليد اجتماعيَّة، والكاتبة (شيري ارجوف) تعتمد السياق نفسه، في أنْ تكون المرأة الطبيعيَّة (المضحية) كالمرأة (اللعوب) لكنْ بنموذج (المقدس)، لأنَّ مفهوم (الزواج المقدس) في عرف الحضارات القديمة يلتقي بالدلالة ذاتها مع المرأة (اللعوب) اليوم، في السمات والخصال التي تؤهلها كي تنجح كنموذج يحتذى به.
الدكتورة ميادة كيالي وجوديت بتلر تدلوان بذات الدلو في المقارنة ما بين مفهوم (الجندر) ومفهوم (النساء) مع الفارق الزمني بينهما، فقد كانت ظاهرة الزواج مقترنة بظاهرة الدين منذ القدم، وأنَّ الديانات القديمة كانت تعدُّ كرنفاليَّة تأخذ بنزعة الاحتفال والطقوس الشعائريَّة أكثر من ممارسات الصيغة القانونيَّة (كالإسلام مثلاً) فالفرق بين الزواج المقدس الذي يعرف بأنه نتاج لقاء قدسي بين إله وآلهة يخرج منهما آلهة أبناء، أما البغاء المقدس فهو قيام كاهنات يتمُّ اختيارهنَّ لتقمص الربيع عبر أداء الطقس الجنسي الرمزي الذي يتمُّ مع الملك، فهؤلاء الكاهنات لهن خاصيَّة (اللعوب) المقدس بالأمس، واليوم بالنموذج، وأرجوف استعرضت الإطار المعرفي لهذا النموذج، وسلطت الأضواء على أنَّ (اللعوب) لا تحمل فقط على الفهم اللااخلاقي، بل إنَّ (اللعوبات) هن نساءٌ يمتلكن مواصفاتٍ ملائمة في جذب الرجال، تفتقدها نساءٌ أخريات، لهذا تقدم ارجوف نصائح مستمدة من عقر دور (اللعوبات) مثلاً تقول للمرأة المضحية (التي تعتقد أنها مطيعة) تقول تصرفي وكأنك جائزة وهو سيصدق هذا.
هذه العبارة في مقابلة الممثلة السينمائيَّة الإيطاليَّة الشهيرة صوفيا لورين وهو خلاصة ما تقدمه ارجوف في كتابها الذي بيع بملايين النسخ تقريباً، وبرهن على أننا اليوم نعيش نظام التفاهة في أدق مفاصلها، وأنَّ تحول (اللعوبات) إلى طوق نجاة لزيجات النساء الأخريات اللواتي يفتقدن مواصفات تلك (اللعوبات) من جاذبيَّة وفتنة وإجادة في فنون القتال لكسب المعركة مع الرجال، فمصطلح (النساء) بات مصطلحاً مزعجاً لكثير من المختصات والمختصين في علم السوسيولوجيا الاجتماعيَّة، حتى في الولايات المتحدة التي تعاني النساء فيها عاصفة اجتثاث مفهوم (الجندرة) من قبل الحركة والنسويَّة من جهة، وحركات (الكوير) من جهة ثانية (وآخرها تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حملته ضد التقسيمات الجندريَّة.
جوديت بتلر في (قلق الجندر النسويَّة وتخريب الهويَّة) تصفُ مشكلة (النساء) بارتباطها بالذات تصبح مقولة التي تدور حولها النسويَّة وهي ما يتمُّ إنتاجها وتقييدها بواسطة بنى السلطة نفسها من خلالها يتم السعي إلى التحرر، فإنْ تتحول نموذج (اللعوبات) في الغرب لخلق نساء ينقذن زيجاتهنَّ مسألة تحتاج إلى عمليَّة فهم ما تبتغي المرأة (وهي عضو جندر) لكي تحافظ على بيتها، الكاتبة (شيري ارجوف) في كتابها الأميركي الطابع تقدم مشروع إنقاذٍ للنساء في الغرب، في عالم يسير نحو الهاوية في تعبير ادغار موران، وتطرح الكاتبة وفق هذا التشويش، أفكارها حول ما يعجب الزوج وما يكره، أي خلق الفرصة المناسبة لإعطاء عالمها مثاليَّة زيادة، لكننا ندرك أنَّ الأفكار المقدمة من قبل الكاتبة عاديَّة جداً، قد ترضي غرور الرجال أكثر مما تجعل أفئدة النساء تهوى إلى الطمأنينة، وربما نجد أنَّ مبالغة ارجوف في صنع الحفاوة للرجال يدفعهم للتنمر، لهذا أنا أرى خطورة الاقتداء بتعليمات الكاتبة بحذافيرها، وعلينا أنْ نمعن النظر في محتوى الكتاب، لأنَّ النساء إنْ كنَّ (مطيعات) أو (لعوبات) لا يعني أنَّنا نضمن نجاح خططنا في ردم الهوة بين الزوجين.
سنجد في الكتاب كثيراً من الأخطاء الجسيمة والخطوات الوقحة، والدروس السيئة، التي تقدمها ارجوف من دون عناية أو معاينة علميَّة من أجل إيقاف تدهور علاقات الزوجين، العالم المعاصر يشهد ما يسمى الأسر المعولمة، حيث يكون الزوجان منعزلين عن بعضهما، يعيشان في بلدين مختلفين، أي لا يظللهما سقفٌ واحد، فضلاً عن شيوع وجبات الغرام السريعة (فاست فيلنك) إلى ركامٍ من الخرائب تنتاب العائلة التقليديَّة، وبذلك فإنَّ الميل نحو فكرة (اللعوب) لا تعني شيئاً بالنسبة للنساء، فالحاجة إلى الزوج أو بالعكس الحاجة للزوجة مرتهنٌ بفكرة الرغبة في صنع وعيٍ عامٍ لنساء على مستوى فهم العلاقة الزوجيَّة من كونها (مقدسة).
ولا غرابة في أنْ تنهض المجتمعات الإنسانيَّة بمختلف رهاناتها على تكافؤ القيم الثقافيَّة، كي يتحول عالمنا المنهار جراء المتغيرات الاجتماعيَّة بعد عصر العولمة نحو عالمٍ ينذر بالتفكك السريع، لا سيما على خلفيَّة انهيار القيم التنويريَّة في المجتمع الغربي المعاصر، لا سيما في المجتمع الأميركي الذي يعاني من تحلل الأواصر العائليَّة وفشل العلاقات الزوجيَّة في ضنك المعيشة الصعبة للفرد الأميركي، سواء للرجل أو المرأة في ظل الغياب الملحوظ في التداول الديمقراطي، ببروز الظاهرة الترامبيَّة الآن التي تهدد صورة الهويات الجندريَّة الثلاث بأزمة حادة من اللخبطة في هندسة الزواج الذي درج عليه الأميركان.