قرَّاء كافكا في حياته وموته

بهاء محمود علوان
يشير الكاتب والإعلامي ماكس برود، الذي كان أحد أصدقاء كافكا المقربين ومنفذ تركته، إلى حب كافكا للتفاصيل، وهو ما ينعكس في دقة التصوير وتفصيله الظاهرة في جميع أعمالهِ، ويؤكد كافكا على الاستخدام الدقيق لعناصر الجوانب الأسلوبيَّة والشكليَّة. ويوضح برود كيف يحول كافكا الواقع الخارجي إلى واقعٍ جديدٍ فريدٍ من نوعه، مؤكداً على الحركة الجدليَّة وسيادة نثره. ويركز برود على الجوانب الموضوعيَّة لعمله، محاولاً إقامة علاقة بين الكتابة والمصير اليهودي.
في المرحلة المبكرة من الاستقبال الأكاديمي لكافكا، والتي يُنظر إليها لاحقاً على أنها مرحلة (ساذجة) أو حتى (عدوانيَّة). يُنظر إلى المؤلف كافكا بوجه التحديد وإلى أعمالهِ ككل، ومن خلال حياته كانت المقاربات الأولى لنقد كافكا ذي الأسلوب الاستثنائي، والذي كان مختلفاً تماماً عن جميع المؤلفين الآخرين بسبب طبيعته الفريدة والغامضة. مع بروز دراسات لسيرتهِ الذاتيَّة، وفي مراحل الحياة الأولى لكافكا، كان القارئ يقترب من العمل وكذلك من الراوي، ويمكن له أنْ يتلمس طريقه بشكلٍ غير مؤكد، تاركاً انطباعاً قوياً خلال حياة الكاتب وأثار المناقشات المتعددة. بعد مرور قرنٍ تقريباً على وفاة كافكا، لم يقترب المترجمون بشكلٍ دقيقٍ من الجوهر الغامض لهذا العالم الذي صنعه كافكا، على الرغم من المعرفة المتزايدة، وحتى الشاملة، عن المؤلف. وبدلاً من ذلك، ظهر (أدب شامل، كان بالكاد أن يُرى)، حيث شعر العديد من المؤلفين بأنهم مضطرون للاعتذار منذ البدء عن زيادة الآداب الثانويَّة، وغير الشموليَّة. وبالتالي فإنَّ استقبال أعمال فرانز كافكا يتميز من خلال مجموعة متنوعة من التفسيرات ومن خلال الدراسات ذات التركيز المختلفة.
تلقي أعمال كافكا (1925 - 1945):
في السنوات الأولى بعد وفاة كافكا كان التركيزُ ينصبُ على مدى موضوعيَّة الدراسات المستقبليَّة لأعمال كافكا، ودراسة عناصر الحكاية الخياليَّة، والسعي إلى تحقيق الإلهيَّة والعدل والرحمة الإلهيَّة، وتغريب الناس عن أنفسهم، وروح الدعابة ودوافعهم، والعودة في المصادر إلى زمن ما قبل الكتاب المقدس. ومن ناحية أخرى، يؤكد المؤرخ الأدبي (والتر موشج) أنَّ كافكا قد اهتمَ بمناقشة موضوع الإيمان واليهوديَّة، وقد تم تناول هذا الجانب في مزيدٍ من التفسيرات والدراسات التي تختلف بشكلٍ واضحٍ عن تفسير برود. ومع ترجمة عددٍ من أعمال كافكا إلى اللغة الإنكليزيَّة تمَّ الوصول إلى قراءة جديدة لتلك الأعمال. تميز تفسير الكاتب الألماني (روث ف. جروس) بين ثلاثة تفسيرات رئيسة عن الترابط الاعتقادي (اليهوديَّة) لكافكا، والتي انتشرت في بداية الحرب العالميَّة الثانية والتي تتناقض تماماً مع تفسير (برود) الديني المجازي. يركز الاتجاه الأول على الرموز والموضوعات اليهوديَّة من أجل تقديم إجابة لسؤال الأصالة اليهوديَّة، واليهوديَّة المفقودة في أعمال كافكا للبحث عن الأصل. جروس يسمي المؤرخ الديني اليهودي (غيرشوم شوليم) كأحد ممثلي الاتجاه الثاني في التفسير، والذي يهتم بشكل رئيس بالارتباط بين أعمال كافكا والأعمال المكتوبة المهمَّة اليهوديَّة، مع الاتصال على أساس اهتمام كافكا بالصوفيَّة والكابالا والحسيديَّة والمسيانيَّة. كما يشير ماكس برود إلى هذا باقتناعٍ كبيرٍ حول مسألة الذنب والصهيونيَّة، وهي الموضوعات التي تُظهر الإخفاء المقصود فعلياً في أعمال كافكا. ويشير جروس إلى أنَّ أدب كافكا كان يسير ضمن هذا السياق. لم يثير نشر أعمال كافكا في تلك الحقبة في البلدان الناطقة باللغة الإنكليزيَّة فحسب، بل أحدث ضجة في فرنسا أيضاً. ينجذب كل من (جان بول سارتر) و(ألبير كامو) إلى العالم الذي يهيمن عليه العبث والخوف والاشمئزاز في أعمال كافكا. يعبر كامو عن حماسه لغموض أعمال كافكا في مقال عن كافكا في العام 1943، إذ يصف قدرة النصوص على إبراز ذلك. تقدم كل الاحتمالات وفي الوقت ذاته تؤكد عدم وجود شيء مثل القدر وترى معنى الأعمال في هذا. الجزء الثاني من تصريحات كامو، هي أنَّ أعمال كافكا لا تؤكد شيئاً محتوماً، كما قيل في العديد من المساهمات النقديَّة، وكان يُنظر إليه بالفعل على أنه لا يمكن الدفاع عنه في الاستقبال المبكر لكافكا، كما كان الادعاء بأنَّ نصوص كافكا تسمح بجميع التفسيرات.
تلقي كافكا بعد عام 1945:
بدأت التأملات الأولى في السنوات التي تلت وفاته حول مدى كون أعمال كافكا رمزيَّة واستعاريَّة، أو يمكن تفسيرها على أنها أعمالٌ لا تنمُ على ذلك. وتمَّ طرح هذا السؤال مراراً وتكراراً في السنوات اللاحقة، بما في ذلك من قبل (ستانلي كورنجولد). وبعد أن استعرض أكثر من مئة وعشرين محاولة لتفسير روايته المشهورة (التحول) (Verwandlung)، ويأخذ في الاعتبار أيضاً التفسير الاستعاري، الذي خلقت به الهوام المتوحشة للتأكيد على وجود الكاتب، والتفسير الرمزي، الذي يعالج به تحول بطل الرواية (كريكور) من منظور نفسي. ومن منظور، أنْ تكون الاتجاهات السائدة في التفسير لا تأخذ ذلك التطابق. في مسيرة حياة فرانز كافكا، يحدد برود، أن الشعور بالمسؤوليَّة تجاه الأسرة بوصفه النقطة المركزيَّة في أعمال كافكا، حيث يحدد هذا الشعور كمفتاح لتفسير الروايات القصيرة مثل رواية (التحول)، ورواية (الحكم). ويشير الألماني والشاعر بيتر بيكين إلى أنَّ كافكا، يشعر بالانفصال عن كل شيء، يصبح بالنسبة لبرود تجسيداً لليهودي المعاصر، ويعدُّ أعماله بمثابة رمزٍ لليهوديَّة. وأن ينظر إليها على أنها الإيمان. وتم الحكم على رأي برود وفقاً لذلك.
يرى كافكا أن وضعه هو خطيئة وينقل ذلك الشعور بالذنب على شخصياته، الذين يعيشون أنفسهم مع الذنب. ومع ذلك، مع انتشار هذه التفسيرات، تم تصنيف بعض المساهمات على أنها أخطاء في بحث كافكا. وفي كتاب فرانز كافكا (الإيمان والتعاليم)، يعارض برود كلاً من التفسير العدمي لأعمال كافكا، والذي بموجبه يجب دمجها في الوجوديَّة الفرنسيَّة جنباً إلى جنب مع أعمال جان بول سارتر، والتفسير الكاثوليكي، (الذي لن يكون مثل هذا التفسير الخاطئ والفادح).
لكنه مع ذلك يريد اختزال كافكا إلى المتعالي. وبناءً على ذلك، يرفض برود افتراض الكاتب الفرنسي بيير كلوسوفسكي بأنَّ كافكا رفض الطائفة اليهوديَّة وتقاليدها الأبويَّة بوصفه خطأ أساسياً في (التصوير الكاثوليكي المغرض). وبدلاً من ذلك، كان كافكا (يبحث بشغفٍ عن المجتمع اليهودي المفعم بالحيويَّة ويركز عليه بقوة متزايدة في حياته خلافاً لوالده).
مساهمة أخرى في تحديد الأخطاء في بحث كافكا قدمها المؤرخ القانوني الناطق بالألمانيَّة (غيدو كيش)، وهو خريج نفس مدرسة براغ الابتدائيَّة والثانويَّة التي التحق بها فرانز كافكا أيضاً. ففي مقالته بحث كافكا حول الطرق الخاطئة، يحذر كيش من السببين اللذين يمكن أن يؤديا إلى الأخطاء أو سوء التقدير. قلة الخبرة أو نظرة معينة أو الأحكام الخاطئة بين (السابقين).
لقد تسببت رواية (أطفال براغ) في سوء تقدير حالة بحث كافكا في ذلك الوقت منذ العام 1971. أحد الأمثلة على ذلك هو تصوير (كلاوس فاغنباخ) الجدير بالثناء لشباب كافكا وسنوات دراسته، والذي يسعى جاهداً إلى البحث الدقيق والإخلاص للتاريخ. ومع مشاركة كافكا في دروس اللغة التشيكيَّة، كما ادعى فاغنباخ، طرح ماكس برود لاحقاً فرضيَّة مفادها أنَّ المفهوم الأساسي لرواية (القلعة) كان مرتبطاً بعمل الشاعرة التشيكيَّة (بوزينا نيمكوفا) بعنوان (الجدة)، التي تمت دراستها بشكلٍ مستفيض. ولم يستطع كيش نفسه أن يتذكر قراءة هذا العمل في نفس المدرسة.
يتعرف كيش على مثال آخر لسوء التفسير في التفسير اللاحق لتجارب كافكا الشبابيَّة. ويؤكد على الموضوعيَّة المشكوك فيها لهذه التفسيرات ويشير إلى خطورة (محاولة التقاط روح الزمن الماضي الذي لم يختبره المرء بنفسه من الوثائق وحدها، ورسم صورة سيرة ذاتيَّة مخلصة حقاً على مثل هذه الخلفيَّة). كما وقع المؤرخ الأدبي (إدوارد جولدستوكر) في الفخ عندما استنتج، في مؤتمر عقد في براغ، من (الافتقار المستمر للتحيز) إلى أن كافكا كان بالفعل منذ العام 1912 فصاعداً، كان واحداً من أوائل (المناهضين للرأسماليَّة كتابياً). إنَّ إحدى أكبر المساهمات في استقبال كافكا، والتي لا تقدم تفسيراً جديداً لطبيعته فحسب، بل تخلق أيضاً بنية جديدة في أعمال كافكا، هي دراسة كافكا التي نُشرت في العام 1976.