طالب عبد العزيز
سأُحيلُ معرفتي القريبةَ بالشاعر أحمد الشهاوي إلى العام 2006 حين أخذ بيدي ليعرّفني إلى الراحل الشاعر الكبير عبد العزيز المقالح (1937- 2022)، سنةَ حضرنا معاً فعاليات مؤتمر الشعر العربي بصنعاء/ الجمهورية اليمنية، لكننا، نعرفُ بعضنا قبل ذلك، فقد قرأتُ له كتابه الشعري الأجمل "الوصايا في عشق النساء" الجزء الأول، وأوقفني على واحد من أجمل كتب الشعر فيه، وأظنّه قرأني في كتب صدرت لي ببغداد وصنعاء، ولو سئلتُ عمّا يقرّبي منه شاعراً وإنسانا سأحار بماذا أبدأ، فالمشتركات كثيرات، وليس آخرها محبتي لشعره، وسعة معارفه، ودفء روحه، هو الذي يُفرغُ سَمْنَ قلبه على عسلِ لغته، فيأتي بالقصائد التي نعشقُ ونحبُّ، ونختارها شواهدَ على جمال وأصالة شعرنا العربي.
"أنا والله أحفَظُ اِبهامك من بصماتِ الزّور
أقدِّسُ اسمكَ
أعذرُ قلقاً يسترخي فوق سريرك".
أرى بأنَّ شعراءَ عرباً وآخرين بينهم أحمد الشهاوي في كتابه الشعري "أتحدث باسمك ككمان" الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، وكتبه الأخرى، بخاصة، التي تناولت المرأة والعشق موضوعاً لها انتشلت كتبَ شعرِ الغزل العربيِّ وقصائد العشق، التي ابتذلَت كثيراً على صفحات شعراء "الفيسبوك" والمواقع الالكترونية، من الرجال والنساء من فجاجة التناول إلى سماوات القراءة العارفة، لما يجب أن يكون الشعر عليه، وارتقت به إلى البقعة المباركة، التي أريدت له، وسعى إليها أصحابها الشعراء، وفي هذه إعلاءٌ من شأن العشق واللغة معاً، وتداركٌ لا يجتهد فيه إلا من كان عارفاً بمنزلة وحقيقة جوهر الشعر.
يعمل الشهاوي الشاعر على تنزيه العشق من رجس التداول الفجّ للمفردة، وفك اِرتباطها بالحسيّة كمفهوم جسدي عند البعض لصالح الروح العاشقة، المتطلعة إلى كلِّ ما هو خير ونماء وعُلوي.
"يأتي الحبُّ اِذا أخلصتَ النيَّة
أو اِحتجّتَ اِليه
أو طلبتْ روحُك أنْ تشفى من أمراضِ الماضي
وممّنْ عكَّر روحَك بالتزييّف وبالقْهر
وإذا جاء الحبُّ فلا تعرفْ غيرَ سريرٍ واحد
ولا تذهبْ نحو اِمرأةٍ أخرى
حتى لو كنتَ تنازعُ موتاً".
يمكننا ملاحظة أنَّ منجز أحمد الشهاوي الشعريّ والكتابيّ بعامّة يمتاحُ من بئر التصوف في كثير من مائه، وأنَّ قراءته لكتب المتصوفة والعرفانيين تلقي بظلالها على لغته وشعره، وتكسبها جمالاً وعفةً وطهراً، أقول عفةً وطهراً لأنَّه لا يسمح للغته أنْ تحوّل قصيدته الى فيلم بورنو، كما يفعل كثيرون غيره. هو ابن اللغة العليا، مشبّعٌ بها روحاً وكتابةً، بل، وأنَّ سلوكه الشخصيّ لا يعمل خارج المعادلة هذه، ولعمري هذا ما تبتغيه النفسُ القارئة، والكاتبة على حدٍّ سواء. على الشاعر أنْ يعمل على إنقاذ اللغة من الغرق بحسب توصيف الدكتور لؤي حمزة عباس. في لغة الشهاوي تصريحٌ آخّاذٌ، قد يبدو للقارئ العَجِل مما يطالعه في كثير من مدونات الشعر، وهو غير ذلك، كذلك يكونُ المضمرُ تلمحياً عند قارئ آخرَ، فيما هو غير ذلك أيضاً، وهنا تكمن براعة الشاعر، وقدرة اللغة على المراوغة والاستمكان، وعلى الوصول، وبلوغ المُراد.
"لمْ أُنْهِ النَّصَّ
ولم أرفعْ رايةَ اِنهائي لَه
أحتاجُ مزيداً من ماءٍ أزرقَ
محراثا لأذوقَ الأرضَ
خِنجرَ ريحٍ لأشقَّ بطونَ لصوصٍ نبيِّة
صدفاً فوق الجسر بلا لؤلؤ..
ما أبحثُ عنه الآن
هو كيف أُضيء الروحَ
وأُشعلُ مع الصوتِ القادمِ من جنّتها..
ويغمرني الماء".
سيجدُ قارئُ شعر أحمد الشهاوي -المشبّعُ بأبحر الخليل بخاصّة- أنَّ سلطة الوزن تأخذ بتلابيب قصائد الشاعر أحيانا، وهو إغراءٌ يصعب الفكاك منه، لمن كان تحقيق الكتب الشعرية جزءاً من دائرة اِشتغاله، ولمن ارتوت روحه من نبع لغته وأثرَ أمّته نثراً وشعراً، لكنني، وجدته يعمدُ الى كسر رتابة الوزن بموسيقى جملته الشعرية، وكما لو أنّه يكتب على بحرٍ اشتقَّه لنفسه، قوامه موسيقى الكلمة، وسحر المفردة، ينظِمُ به عِقْدَ قصيدته، إذْ نحن إزاء شاعرٍ يصرُّ على أنْ يقدِّم لنا أنموذجه الشعريَّ الخاص به، عبر مدوّنات كثيرة، عُرف بها، وتقدّمته، بوصفها واحدةً من أكثر التجارب تجديداً في شعرنا العربي.