مدرسة النجف بعد القرن الثامن الهجري

ثقافة 2025/02/26
...

  د. عبد الجبار الرفاعي


لا تتوفر لدينا معلومات كافية تفصح عن مسار مدرسة النجف في القرون التالية للقرن الثامن الهجري، لنعرف من الذي خلفه حيدر الآملي هناك لتعليم حكمته العرفانية، وإن كنا نستطيع الاطمئنان إلى أن هذه المدرسة لم تنطفئ تماما في العصور اللاحقة، لكن اضمحل دورها كثيرًا بعد ظهور مراكز أخرى عند الإمامية شاع فيها تعاطي المعقول والحكمة العرفانية خاصة، كما نجد ذلك في شيراز وأصفهان.. وغيرها، إلا أن هذا الضمور لم يستمر أكثر من ثلاثة قرون، بعد أن استعادت مدرسة النجف دورها من جديد على يد عرفاء كحسين قلي الهمداني... وغيره، وإن كانت مدرسة النجف لم تقفر تماما من تعاطي دراسة المعقول والتأليف فيه في القرن التاسع الهجري، فمثلا مكث جلال الدين الدواني المتوفي سنة 907هـ زمنًا هناك عقيب زيارته لأمير المؤمنين، قرأ عليه فيها الفقيه حسن الفتال النجفي كتاب «حكمة الإشراق» للسهروردي، وألف كتابه «الزوراء» هناك الذي جمع فيه بين الحكمة البحتة والذوقية في طريق إثبات الواجب.

وفي القرن العاشر يمكن أن نعثر على مظاهر حركة ونشاط واضح في دراسة المعقول والتصنيف فيه في مدرسة النجف، مثلًا كان الملا عبد الله اليزدي المتوفى سنة 981هـ أحد الأساتذة المعروفين وقتئذ في هذا الفن في النجف، وكان حسن بن الشهيد الثاني «صاحب كتاب معالم الدين»، ومحمد بن السيد بن أبي الحسن الموسوي العاملي «صاحب كتاب المدارك» ممن قرأ عليه المعقول فيها، مضافًا إلى أنه ترك مؤلفات عديدة في هذا الفن من أشهرها الكتاب المعروف في الحوزات بـ «حاشية ملا عبد الله»، وهي حاشية على كتاب «التهذيب» في المنطق للتفتازاني، فرغ منها في أواخر ذي القعدة سنة 967هـ في المشهد الغروي، وأصبحت منذ ذلك الحين حتى اليوم منهجًا متعارفًا للمبتدئين في دراسة المنطق في الحوزات. ومن آثاره الأخرى: «حاشيتة على شرح الشمسية»، وهي حاشية على الحاشية القديمة للدواني على شرح الشمسية وعلى حاشية أخرى على شرح الشمسية في المنطق، و«شرح العجالة» وهو حاشية على حاشية الدواني أيضًا على تهذيب المنطق، و«حاشية على الحاشية القديمة الجلالية على الشرح الجديد للتجريد»، و«حاشية على الحاشية القديمة الجلالية على شرح المطالع»، و«شرح فارسي لتهذيب المنطق»، و«حاشية على بحث الموضوع من تهذيب المنطق»، و«حاشية على مبحث الجواهر من شرح التجريد»... وغيرها.

  بعد وفاة الملا عبد الله اليزدي عُرف فيض الله الحسيني النجفي -كان حيًّا سنة 1013هـ - من المهتمين بالمعقول، حيث كانت لـه «تعليقات على إلهيات شرح التجريد». وبعد أكثر من قرن من هذا التاريخ (أي في القرن الثاني عشر الهجري) يظهر في النجف محمد مهدي بن أبي ذر النراقي (1128-1209هـ) الذي ترك آثارًا مهمة في الفقه، والأصول، والأخلاق، والهيئة. آثاره في المعقول كانت من أهم مؤلفات المعقول التي أنجزتها الحوزة في النجف آنذاك، وقد عُرف منها «شرح الإلهيات من كتاب الشفاء»، و«جامع الأفكار في الإلهيات»، و«قرة العيون في أحكام الوجود»، و«اللمعات العرشية في حكمة الإشراق»، و«اللمعة» وهو مختصر اللمعات، و«الكلمات الوجيزة» وهو مختصر اللمعات، و«أنيس الموحدين» وهو من أواخر تصنيفاته في المعقول، لم تتم إلا نبذ من الأمور العامة والطبيعيات منه... وغيرها.

كذلك ظهر في هذا القرن عالم من تلامذة مهدي بحر العلوم، وهو محمد بن علي بن محمد حسين المتوفى سنة 1220هـ كان لـه اهتمام بارز بالحكمة والكلام وأنجز بعض الآثار في ذلك، منها «تحفة الأنام في شرح منظومة الكلام»، و«منظومة في الكلام».

ومنذ منتصف القرن الثالث عشر الهجري تنامت مظاهر الاهتمام بالمعقول في مدرسة النجف، ودب النشاط بالتدريج في دراسته والتأليف فيه، كما نقرأ في بعض المؤلفات التي صنّفها أعلام هذه الفترة، فمثلًا كتب يعقوب البارفروشي المازندراني المتوفى بعد سنة 1274هـ «حاشية على الأسفار»، كذلك صنف محمد حسين اليزدي الأردستاني المتوفى سنة 1273هـ مجموعة مؤلفات في المعقول، منها: «القسطاس المستقيم في المنطق» و«المكيال القويم في الميزان» و«تعليقة على حاشية ملا عبد الله على التهذيب». وذهب بعضهم إلى أن ما تضمنه كتاب «جواهر الكلام» مما يتعلق بالعلوم العقلية هو من إنجاز الملا باقر التركي النجفي المتوفى سنة (1273هـ) الذي كان بارعًا في العلوم العقلية والرياضية، وكان من خاصة محمد حسن صاحب الجواهر.

وممن عاشوا في هذه الفترة محمد حرز الدين (1193 ــ 1277هـ)، وقد اشتهر ببراعته في المنطق، ومن آثاره في ذلك «حاشية في المنطق» و«شرح الشمسية» لقطب الدين الرازي.

وممن امتاز في هذه الفترة بخبرة في المنطق والعلوم العقلية موسى الإحسائي الهجري الفلاحي (1239-1289هـ)، الذي ألّف منظومة في المنطق أسماها «الباكورة» طبعت في النجف سنة 1329هـ.

وكان محمد تقي الگلپايگاني النجفي (1218 ــ 1298هـ) من أعلام محققي هذه الفترة في الفلسفة والكلام، ولـه بعض الآثار في ذلك، منها «منتخب شرح الهداية» و«شرح أصول الكافي» و«رسالة في علم الكلام».