أصوات سوداء تناهض العنصرية

ثقافة 2025/02/26
...

 سها مصطفى


يبدو أن نيل بيونسيه جائزة غرامي عن ألبومها الأخير "كاوبوي كارتر" أشبه بالاعتذار عن إقصائها في جوائز موسيقى الكاونتري CMA، الأخيرة التي أثارة جدلا على السوشل ميديا العام الماضي.

لن يكون ذلك أول تمييز يسجل ضد الفنانين الأميركيين على أساس اللون في تاريخ بني على العنصرية منذ قتل الهنود الحمر، وكل ما يمت لثقافتهم ولغتهم وموسيقاهم بصلة، في أفضل الأحوال عندما يشتد تأنيب الضمير الهوليوودي الأبيض حيال الأمر، تنتج شركة ما فيلما أو أغنية عن الهنود الحمر والعنصرية بما يشبه اعتذرا متأخرا لا أحد يرغب به. لكن لا بد منه.

في الموسيقى ونظرا لكون تكاليفها الإنتاجية أقل ولكونها أكثر ارتباطا بمفهوم الهوية والإرث، كان العنف العنصري جليا وأكثر غزارة؛ ومن خلال الموسيقى هذه ظهرت الهوية الجمعية للشعوب والفردية للفنانين بكل ما تحمله من انتماء، فالعنف هو من وسم هذه الموسيقى، وأطلقها وحملت أشهر أغنياته كفاحا دمويا في سبيل أبسط الحقوق بالمساواة، وهذه البلاد لا تنفك تقدم إبداعات موسيقية تمثل تاريخها في تماثل حاد بين عالمين؛ أسود هو العبودية وعالم أبيض نقي هو عالم الفنانين الذين تمردوا عليها.


موسيقى للتاريخ

يربط كل من أفريقيا والعنصرية جذر الأغاني السوداء؛ هي كانت هناك دوما ماثلة مثل لطخة دموية في التاريخ الأميركي والأوروبي، والبدايات ستكون دوما من صناعة تصفها كبريات المجلات الأميركية بأنها "العنصرية"، هي من تنتج الموسيقى حتى اليوم في أميركا، المدراء التنفيذيون للراب في كبرى شركات التسجيل الموسيقية هم من الزنوج، أما البيض فهم مدراء كل شيء تقريبا ويمكنهم أن يتحركوا بخفة بين الكلاسيك والروك وليس فقط الراب والهيب هوب، والأجور بدورها ستختلف حكما بين اللونين وبين كلا العالمين! 

وقد حملت موسيقى الزنوج الوصف الذي يلقيه الأبيض عليها؛ فالـR&B  هو وصف أطلق للدلالة على موسيقى العرق بالإنكليزية، أما ولادة فن البلوز فهي مرتبطة بالحزن والحنين في الجنوب الأمريكي من العبيد الأفارقة، الذين كانوا يغنون أثناء العمل ويزفرون حنينهم لقارتهم البعيدة في سنوات الفاقة عقب الحرب الأهلية، مغنو هذه الموسيقى متحدرون من العبودية، وتشير مصادر إلى أن كلمة jazz  تنحدر من شتيمة صحافية لموسيقي زنجي يدعى بودي بولدن وصفته بالـ jack*ss أي الحمار! لكن اللعنة انقلبت على الساحر وتحولت هذه الموسيقى بما يشبه العدوى من عالم البارات الرخيصة، إلى عالم الأضواء وتحور اللفظ مع الزمن إلى الشكل الذي بتنا نعرفه اليوم. 


أغنيات السنوات القاتمة

في عام 1965 أثناء حركة الحقوق المدنية غنت نينا سايمون المطربة الأميركية أغنية تخفي بين طياتها أبشع جرائم العنصرية، بعض كلماتها تم تشفيره نظرا لقساوتها وفداحتها المنبثقة من الواقع، أغنية: strange fruit عن تلك الأجساد الدامية التي علقت بلا محاكمة في إعدام معلن العام 1930 حيث تدلت الجثث كالفاكهة من الأشجار، عندما كانت عمليات إعدام السود شائعة في ذلك الوقت، كما لوكنت تعد فنجان قهوة. 

سايمون نفسها كانت ضحية الظلم الأمريكي بسبب بشرتها الملوحة بالشمس عندما رفضتها مدرسة Curtis institute of music ، وهي نشأت في إطار الموسيقى الإفريقية للبلوز والجاز، التي تتفاعل مع الظلم، وعام 1963 مع ارتكاب مجزرة الكنيسة المعمدانية وقتل أربع طفلات زنجيات أطلقت نينا لعنتها على الميسيسبي في أغنيتها الشهيرة: Mississippi goddam، الأمريكيون لم يحبوا نينا إلا مؤخرا ومن اكتشفها واحتفى بها جيدا هو الفرنسيون، وهناك ماتت في فرنسا وحيدة وغاضبة ونبوءتها عن زوال أميركا لا تزال 

ماثلة.

وترتبط الأغاني التي تناولت العنصرية بحركة كفاح مدني طويل دامي، تدرج ضمنه أغنية الخلاص: redemption song لبوب مارلي وهي بمثابة نشيد الحرية في مواجهة التمييز العنصري وقرون العبودية. الأغنية اشتهرت وتحولت كلماتها إلى جمل اقتبس منها ماركوس جارفي العام 1937، الفيلسوف والناشط والقومي الأسود المولود في جامايكا في هتافه الأشهر: حرر نفسك من العبودية العقلية! 


الكراهيَّة المتبادلة

التاريخ الأمريكي مأزوم بالعنصرية وأحيانا بالاتجاهين، إيمنيم الذي يوصف اليوم بأنه زنجي أكثر من الزنوج نفسهم، عانى كثيرا حتى دخل عوالم موسيقا الراب وأنديتها السوداء بسبب كونه أبيض، وهذا الإيقاع المتسارع استعمل من قبل المغنين السود والبيض للتعبير عن الاضطهاد والظلم، إذن ثمة قهر واحد يجمع كلا المعسكرين وتعكسه هذه الموسيقى، التي تتميز بإيقاعاتها القوية؛ ومصدرها الأحياء السوداء التي توصم كبؤرة عالم الجريمة والفقر كالهارلم أوالبرونكس، لكنها قاومت تنميطها وخلقت لها إيقاعا خاصا بها في الحياة وفي هذه الظروف خلقت الهيب هوب والبوب 

والراب.

الأخير بات دمغة خاصة كهوية وتمايز عن الآخر الأبيض وموسيقاه التي كانت غالبا كلاسيكية، وهي تتسم بالغضب والرفض للاضطهاد، الذي يميزها كبوصلة أخلاقية أمام التمييز وانعدام العدالة أو المساواة المجتمعية، والكلمات التي ترافقها بعيدة عن شعرية الكلاسيك والروك والبلوز؛ هي كلمات غير مروضة حادة ومباشرة والقوافي فيها تتيح لها خلق إيقاع ترتبط به جذريا، وغالبا هي تدعو للتغيير الاجتماعي وتقف ضد وحشية الشرطة الممنهجة ضد السود في حوادث متعددة.

بيونسيه لن تكون آخر ضحية، هل ترغب بمشاهدة العنصرية المخيفة بكل توحشها؟ فيلم get  out  للمخرج جوردان بيلي سيضمن ذلك؛ فالفيلم يقدم عائلة بيضاء تنظر للزنوج، بوصفهم لعبة للصيد والتعذيب، لا وحوش خرافية هنا؛ الوحش الوحيد في الفيلم هو الإنسان الأبيض وهو لا يكتفي من 

الضحايا.