بغداد : مآب عامر
أوصت ندوة، نظمها قسم الدراسات السياسية والاستراتيجية في بيت الحكمة، بضرورة بناء هوية وطنية جامعة تُعلي من شأن القيم المشتركة التي تربط بين مختلف المكونات الاجتماعية، فيما شددت على أهمية أن تكون هذه الهوية قادرة على تجاوز الانقسامات العرقية والدينية والقومية، لتعزيز الشعور بالانتماء إلى كيان واحد.
الندوة، التي أقيمت أمس الأربعاء، تحت عنوان: "إشكالية المواطنة في العراق: المفهوم، السلوك والممارسة"، دعت ايضا إلى مراجعة شاملة للسياسات التعليمية والإعلامية، باعتبارهما أداتين رئيسيتين في تشكيل الوعي الوطني. وأوصت بضرورة أن تعمل هذه السياسات على ترسيخ قيم الانتماء والمساواة بين جميع المواطنين، مع التأكيد على أهمية تعزيز ثقافة المواطنة التي تحترم التنوع وتضمن الحقوق للجميع دون
تمييز.
وركزت الندوة التي شاركت فيها نخبة من الأكاديميين والباحثين المختصين في الشأن السياسي والاجتماعي، على مفهوم المواطنة من زوايا ثقافية وفلسفية، مع التركيز على التحديات التي تواجه تطبيق هذا المفهوم.
وبدأت الندوة بكلمة للدكتور خميس البدري، مدير قسم الدراسات السياسية والاستراتيجية في بيت الحكمة، الذي أشار إلى أن المواطنة تحمل طابعًا مزدوجًا يجمع بين الحداثة والأصالة. فمن جهة، يعود تاريخ هذا المفهوم إلى الحضارات القديمة مثل اليونان والحضارة الإسلامية وأوروبا في العصور الوسطى. ومن جهة أخرى، لا يزال يثير تساؤلات حول كيفية تجسيده في الواقع المعاصر. وأكد البدري أن المواطنة ليست مجرد مفهوم قانوني أو سياسي، بل هي أيضًا مفهوم ثقافي يعكس العلاقة بين الفرد والدولة من خلال منظومة قيمية تشمل الحقوق والواجبات.
رئيس الجلسة الدكتور سرمد عبد الستار أمين العبيدي من كلية العلوم السياسية بالجامعة العراقية، تساءل عن سبب وصف المواطنة بـ"الإشكالية"، مشيرًا إلى أن هذا الوصف يعكس الصعوبات التي تواجه تطبيق هذا المفهوم في العراق. وأوضح أن جوهر المواطنة يكمن في فكرة الانتماء إلى الوطن، مؤكدًا أنه من دون وطن موحد لا يمكن الحديث عن مواطنة حقيقية. وشدّد على أن المواطنة تبدأ من الشعور بالانتماء إلى كيان سياسي وثقافي واحد، وهو ما يتطلب بناء هوية وطنية جامعة.
من جانبه، تناول الدكتور عبد السلام إبراهيم البغدادي مفهوم الدولة المدنية وعلاقته بالمواطنة، مبينا أن هذا المفهوم ارتبط بتطور الدولة القومية منذ معاهدة ويستفاليا عام 1648. وأضاف أن الكيانات التاريخية مثل الدولة العباسية والعثمانية لم تكن دولًا بالمعنى الحديث، بل كانت تكوينات سياسية دينية. كما أشار إلى أن نشأة الدولة في أوروبا قامت على أساس المجتمع المدني الذي أنتجته الطبقة الوسطى الصناعية، مما أدى إلى تطور مفهوم المواطنة كعلاقة بين الفرد والدولة.
كما تحدث الدكتور فراس عبد الكريم البياتي من كلية العلوم السياسية بجامعة النهرين عن التحديات التي تواجه المواطنة في العراق بعد عام 2003، مشيرًا إلى أن الديمقراطية التوافقية أسهمت في تفتت الهوية الوطنية. وأكد أن المواطنة تشير إلى علاقة الفرد بالدولة من حيث الحقوق والواجبات، لكنها في العراق اصطدمت بتعدد الهويات الفرعية والانقسامات السياسية. وأضاف أن هذه التحديات تعكس صعوبة بناء هوية وطنية جامعة في ظل التنوع الثقافي والديني والعرقي.
من جانبها، ركزت الدكتورة همسة قحطان خلف من كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد على آليات تعزيز قيم المواطنة والهوية الوطنية في العراق. وأوضحت أن المواطنة تمثل العلاقة القانونية والرسمية بين الفرد والدولة، بينما ترتبط الهوية الوطنية بالعلاقة العاطفية والانتماء الثقافي. وأكدت أن أي خلل بين هذين المفهومين يؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي، مشددة على أهمية تعزيز الهوية الوطنية من خلال التعليم والإعلام.
واختتمت الندوة بقراءة بحثية للدكتورة سالي سعد محمد من كلية القانون والعلوم السياسية بالجامعة العراقية، التي ناقشت عبرها موضوع "المواطنة المعاصرة: أشكال متعددة ورؤى متجددة". وأشارت إلى أن التحولات العالمية مثل العولمة والثورة الرقمية والتغيرات المناخية وسّعت مفهوم المواطنة ليشمل قضايا جديدة كالمواطنة البيئية والحقوق الرقمية. وأكدت أن هذه التحديات تتطلب إعادة النظر في العلاقة بين الدولة والمواطن بما يواكب التطورات الحديثة، مع التركيز على تعزيز المشاركة الفعالة للمواطنين في صنع القرار.