ناظم علاوي
لم يكن مجنونًا. حقيقة انسكبت في روح المكان، ثمَّ تكسرت مثل موج متلاطم على صخور عقله فابتلعته. منذ ذلك اليوم الذي قذفته الحياة ليسكن شقة مع والدته في عمارتنا، غلام بالعاشرة من عمره تقريبا. لا يخرج وحده أبدا. لم تدع امه مجالا لأحد أن يحدثه أو حتى يقترب منه، كان مرافقا لها لا تفارقه برهة واحدة، غربته وعزلته مثل ظل لا يفارقانه.
تحت عمارتنا تمتد حديقة خضراء، تتعانق فيها النباتات والشرفات الصغيرة مثل قلوب متعبة. لا تتسع إلا لهمسات الرياح والنباتات. تلك الشرفات احتضنته وعانقت طفولته، لكنه أزعج جدرانها وصبرها بأوهامه المقلقة، لتبصقه من علو عشرة أمتار إلى حيث الحديقة ليبقى جسده شاهدا على قصته.
***
بعد أن خطف الموت أمه، أصبحنا نشاهده في الأمكنة كلها، هنا وهنا وهناك أيضا وفي كل مكان، ينام، يأكل، وأحيانا يغير ثيابه تحت سماء مفتوحة، رائحة ملابسه كريهة. ذات يوم، اشتكى أحد الجيران، عندما رآه يتبول على النباتات.
شبيها بالبحر لا يعرف الهدوء، آخذا منه صفة الغريب الذي لا ينتمي لأي شيء ولا يستقر على أرض.
كل يوم تقريبا في ساعات الفجر الأولى ألتقيه في الحديقة، أو على سلالم العمارة فانا جاره، شقتي في الطابق الأعلى تماما فوق شقته، عرفته منذ أن جاورنا لكني لم أحادثه أو تجمعنا صدف أن تلتقي نظراتنا معا. مثار ارتياب وقلق كل من في العمارة والحي.
جسده طويل ونحيف، أكتافه نحيلة تكاد لا تحمل عبء وجوده، اعتدنا منظره البئيس، ثيابه بالكاد تستر عريه، المرات القليلة التي نرى فيها ملابسه نظيفة يكون قد وهبها له أحد المحسنين من أبناء العمارة، شعره متناثر متشابك مثل أغصان شجرة ميتة، فمه منتفخ بزبد لعاب مقزز، رأسه الكروي والمستدق عند ذقنه لا يتوقف عن الحركة كأنه يتوقع أن ثمة من يلاحقه، يسير بخطوات ثقيلة ومترددة، يداه ترتجفان، أقدامه تتشبث بالأرض، حاملة معها أطناناً من الأحزان غير المرئية. لم يكن سيره مستقيماً، ينسج مسارات متعرجة لرياح تعصف بقدم يسراه المبتلاة.
أول مرة اقترب مني، عند المقهى الذي اعتدت الجلوس فيها صباحا لشرب الشاي قبل الذهاب لعملي، ألقى بجسده على الكرسي الفارغ قبالتي، شممت رائحته التي ذكرتني برائحة ذبيحة عبود القصاب حين يترك جلدها على الرصيف نهبا للذباب والتراب. أشار بيده المرتعشة إلى "استكان" الشاي الساخن، دون إرادة مني دعوته لمشاركتي في شرب الشاي، لا أدري ما الذي دفعني لذلك؟ فضولي؟ أم خوفي من ردة فعل غير متوقعة منه! أنا لم اسمع له صوتا منذ أن سكن عمارتنا، لكن كلمة واثقة خرجت من فمه أصابتني بالذهول: "ممنون" نهض وابتعد سريعا.
في الليل في غرفتي تراقصت الأسئلة أمامي: أي سر مخفي وراءه؟ كنت ابحث بين الناس عن إجابة! حتى عثرت عليها من ابن عم له يتردد عليه، تركني بقصة غير مكتملة وغامضة، أكدتها ملاية الحي التي اعتادت الترداد على البيوت والأسر، كشفت سره لقد انهيار دارهم الواقع في حي الميدان أثناء حرب المدينة، وانه الناجي الوحيد وأمه من عائلة فقد فيها أباه وإخوته الثلاثة. دخل على أثرها المصحة عاما كاملا. خشيت امه عليه التي انصاعت إلى وصية الطبيب أن تبعده عن مكان الحادث علّه ينسى أو يستعيد نفسه لهذا السبب جاءت لعمارتنا مستأجرة شقة.
بعد تردد قررت أن أواجهه. مساء كنت عائدا من عملي وجدته يفترش الحديقة تحت شجرة التوت المعمرة بأغصانها الوارفة تلك الشجرة التي ميزتْ حينا عن باقي الأحياء وأخذت اسمها "عمارة التوت الأحمر"، اقتربت منه وانا شبه مرتبك من ردة فعل غير متوقعة، لكن فضولي كان أكبر من أن أقاومه وقفتُ على بعد خطوتين تقريبا وقلبي يكاد ينخلع، خيل لي وانا انظر إليه انه يكلم الشجرة، انتبه لوجودي ابتعد قليلا، ابتلعتُ أنفاسي مع ريقي ليخرج صوتي ضعيفا مرتبكا، سألته ببساطة طفل غِر:
- كيف للمرء أن يفقد عقله؟
نظر إليّ غاضبا، نهض وتركني بلا إجابة. كنت كلما التقيه مصادفة يشير إليّ بإصبعه الأوسط، ضاحكاً، مستهزئا. باغتني ذات صباح ندي واضعا يده على كتفي وترك شَفتيهِ تلمسُ صيوانَ أذني اليمنى أجفلتني فعلته قال:
_ قف تحت شرفتي فوق بساط الحديقة الخضراء، عند شروق الشمس وعند الغروب.
في صباح شباط البارد، تدفقت الشمس على الشوارع كحبرٍ ذهبي مسكوب. هرولتُ للحاق بالحافلة، لكن يدًا باردة تسللت من الفراغ وأمسكتني. التفتُّ... كان هو. الشارع مجرّد قشرةٍ هشة فوق صمتٍ عميق، والذباب يدور حولنا ككواكب صغيرة تائهة في مدارٍ لا مرئي.
رفع وجهه... إحدى عينيه بيضاء، كنافذةٍ تطلّ على العدم. أردت أن أصرخ، لكن الصوت تحجر في حلقي. انكمش جسده كظلٍ يذوب في الضوء، وصوته خرج كريحٍ تنبش أطلالًا منسية:
— كل ليلة يطردني جسدي، كل صباح أبحث عني... هل رأيتني؟
امتدّت أصابعه كجذورٍ تبحث عن تربتها، لكن الهواء ابتلعه. لم يختفِ... بل تحوّل إلى شيء آخر، إلى أثرٍ مطموس فوق الإسفلت، إلى طنينٍ يلتف حولي كوشاحٍ من همساتٍ مجهولة.
حدّقتُ في مكاني، فرأيتُ ظلي يترنّح، ليس ظلي... بل شلو، ممدّدًا هناك، يتنفس بصوتي.