بيرتولت برشت: المسرح الموسيقي

ثقافة 2025/03/02
...

  بهاء محمود علوان


يعد برتولت برشت الشخصية المحورية للهيكل العام في الدراسات التي تعنى في توظيف الموسيقى على خشبة المسرح، هذا لأنّ برشت هو المحور الرئيس في العلاقة بين الفن والفكر، كما يُعد شخصية انعكاسية، خاصة تعنى بالفكر والعمل، ولم تنحسر مهامه فقط في تاريخ المسرح الموسيقي، بل وأيضاً يحتل مكانة خاصة في التقليد الجمالي "من هيغل إلى ما بعد الحداثة".

وهنا لا بدَّ من إلى إعادة بناء الدور التفاعلي للموسيقى كنقطة بداية أو نهج للجماليات التطبيقيَّة. وبالنسبة للمسرح الموسيقي المعاصر، قد ينشأ سؤال في النقد الموسيقي في جانبين أساسيين على خلفيّة ما جاء به برشت، متكئاً على بعدين نقديين أو تأمليين. ولا بدَّ هنا أن نشرح كيف يمكن لنقد تأملي أن يبني العلاقة بين الفن والواقع. إنَّ المجتمع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإمكانية التواصل على مستوى "أشكال الفن" التقليديَّة وفهمها الجمالي لذاتها، والتي تظهر نفسها كحركات عبور بين المجتمع وبين الأشكال الفنيّة. إنَّ العبور في الأنماط التقليديّة بين المسرح والموسيقى والبقاء في منطقة المنتصف في مجال الفن الحديث كمتطلبات إنتاجية لمسرح موسيقي جديد، باعتبارها نغمة أساسية في الفن والنقاش الفني حدثت في فترة ما بين الحربين العالميتين، وإن مسألة الإمكانات النقدية للفن، والعلاقة بين النقد الفني، والنقد الاجتماعي، لم تكن في مركز الأجندة الجمالية فحسب، بل شكلت أيضاً أبعاداً جديدة ومهمة، وخطوطاً فاصلة وحاسمة وسطوح كسر بين المواقف ذات الصلة الوثيقة ظاهرياً والبيئات المهنية. ولكن بالنسبة لنظرية الفن، وللفن نفسه، فإنّ الاختراق الذي حققته مرحلة ما بعد الحداثة يعني إلى حد كبير فقدان النقد، ناهيك عن برشت "السياسي"، إذ شكل الجانب السياسي بُعداً في جميع أعمالهِ، وشكل أيضاً محوراً أو منطقة ذات خصائص وسمات محددة. وفي محاولة مبررة لتجاوز المناقشة التي تجمّدت في تناقضات عقيمة بسبب الاستقطاب في السبعينيات، قامت نظرية الفن في الثمانينيات والتسعينيات "بتحرير" مفكرين مثل "بنيامين، وتيودور أدورنو" إلى حد كبير من نظرياتهم النقدية الاجتماعية، إن لم تكن الماركسية، ومع ذلك، إذا ما أعلنا أن مفكري "الحداثة" يشكلون الأساس لما بعد الحداثة بهذه الطريقة، فإنّ طريقة التفكير التفكيكية، على الرغم من مساهمتها المهمة، تخاطر بترسيخ فقدان "المواقف الوسيطة" أو الاستثناءات النظرية والفنية، والتي تقع في النطاق بين "الفن المنحط" لنظام هتلر وغرس "الواقعية الاشتراكية" من قبل الهيمنة السوفيتية كأيديولوجية دولة للفن والفكر الفني في الكتلة الشرقية. 

في مثل هذا الوضع المتوسط في قلب الفن الحديث وخطاب الفن الحديث، سيكون "التحول الملحمي" لبرشت هو السائد. يشير مصطلح "الانعطاف" هنا ليس فقط إلى "حركة" معقدة على مستوى العمل الفني نفسه، بل أيضاً إلى تغيير في الفهم الذاتي النظري للفن والفنان. من خلال التعامل مع برشت وفن المسرح الملحمي كموقف معارض لـ "الواقعية الاشتراكية" للكاتب "غريغوري لوكاش"، وفن التحريض السياسي "لإروين بيسكاتور، وسيرجي آيزنشتاين"، و"نظرية الحداثة" المتشائمة "تيودور لأدورنو"، يمكن أن نستنتج أن النهج المنتج والإمكانيات لمسرح سياسي قائم على النزعة التحررية، يمكن أن تكون مفيدة في هذا السياق على أسس الفن. يشير مصطلح إعادة الإعمار أيضاً إلى فهم أن شيئاً ما قد ضاع أو لم يستمر بشكل كافٍ. 

وأنا أفعل ذلك انطلاقاً من سمات عدة لتاريخ إنتاج برشت واستقباله: إذ يمكن إرجاع "الخسارة" الأولى إلى طبيعة عمل برشت، إلى جانب حقيقة أن معظم كتاباته النظرية نُشرت بعد وفاته، فإنّ الباقي يعود إلى "الخسارة" الأولى، لأن برشت حظي باهتمام كبير في تاريخ الاستقبال الذي يتميز بالتغيرات والتناقضات السياسية.

استخدام برشت لمبدأ "التحفيز" كأسلوب، أسس لفكر جديد في الحداثة المسرحية، إذ كانت تشكيلات الكتل في فترة ما بعد الحرب، والتي أصبحت فعّالة أيضاً كتشكيلات كتل نظرية في العقود التي أعقبت وفاة برشت، وبلغت ذروتها في الاستقطاب في السبعينيات، وكانت قادرة على محو التنوع والاختلافات في المناقشة الجمالية التي كانت بين عالمين مختلفين. الحروب العالمية وفي الوقت نفسه محصورة جغرافياً وثقافياً بين "هيمنتين عالميتين"، في حين يبدو أن الواقع قد انقطع ولم يكتمل بعد في نقاط مثيرة للاهتمام "نظرياً".