ايجاد المسافة السرديَّة الصحيحة

ثقافة 2025/03/02
...

  بقلم: بيرتراند


  ترجمة: أحمد رحمن

حين أدرّس فصل مذكراتي، فان هدفي الرئيس هو مساعدة طلابي على العثور على الأدوات والتراكيب السرديَّة التي يحتاجونها لرؤية أنفسهم كشخصية على الصفحة.

حتى في المذكرات، في الواقع، خاصة في كتابة المذكرات، رؤية الذات كشخصية أمر ضروري لتحويل تجربة الحياة الخام إلى قصة. 

تمنحنا الحِرفة الأدوات التي نحتاجها للعثور على المسافة السردية الصحيحة تجاه القوة العاطفيّة لقصتنا.

استخدمت جميع أنواع الاستعارات لمساعدة الطلاب على تصور كيف يمكن أن يحدث ذلك. 

فكّر في الأدوات السرديّة على أنها قفازات الفرن، كما أقول. أنت بحاجة إليها من أجل التعامل مع المواد الساخنة "المؤثرة عاطفيا"! استخدم الحِرفة كوعاء، أو درع، أو زي غير عادي - أي شيء سيسمح لك بالتمسّك بالتجربة من دون أن تطغى عليك قوتها العاطفيّة. 

لكن أفضل تشبيه للمسافة السرديّة هو الذي سمعته من زميل معلم في (( The Writes Stoudi

ووسعته كثيرًا على مرِّ السنين.

تخيل، كما أخبر الطلاب، أنك في حفل العطلة السنوية في مكتبك. بعد بضع ساعات، تذهب إلى الحمام. ترى زميلة لا تعرفها جيدًا تقف بجانب مجفف الأيدي، تبكي بحرقة. تشعر أنت بالحرج، غير متأكد مما عليك فعله. تشعر أيضًا أنك لا تستطيع تجاهلها تمامًا، لذا تسأل: ما الأمر؟

تبدأ المرأة في سرد قصة طويلة ومتشعّبة عن رسالة نصيَّة تلقتها للتو من شخص كانت تواعده خلال الأشهر الستة الماضية. يبدو أن هذا الشخص أنفصل عنها. تقدم المرأة لك جميع أنواع التفاصيل بطريقة عشوائية غير متماسكة لحدٍّ ما، تنهار بالبكاء وتتقطع بالشهقات أثناء حديثها؛ تفسد ترتيب الأحداث الزمني لما حدث؛ وتقدم لك الكثير من التفاصيل الحميميَّة الزائدة.

تستمع إليها، بالكاد تستطيع فهم ما حدث بالفعل. أنت تفهم أن هذه المرأة محطّمة القلب، لكنك لا تشعر بألمها لأنك لا تقدر أن تتصل بها تمامًا - قصتها مربِكة، مباشرة جدًا، وغير معالجة للغاية. 

تبدأ بسؤال نفسك: لماذا لم أستخدم الحمام في الطرف الآخر من الطابق؟ في حين تذهب إلى مكان ورق الحمام لتحصل على المزيد لتنظيف أنفها، تذهب إلى مرحاض آخر للتبول. حين خروجك، تكون المرأة قد ذهبت. 

فتشهق شهقةً للراحة!

بعد ستة أشهر، كان هناك لقاء اجتماعي آخر في المكتب، وهذه المرة عشاء في مطعم قريب، وإذا بك تجلس بجانب تلك المرأة نفسها. تبتسمان لبعضكما بشكل محرج بعض الشيء. تفكر في قصتها، وبعد بعضٍ من الحديث القصير والتردد، تقرر أن تسألها: 

هل التقيتِ ذاك الرجل مرة أخرى؟

تنظر إليك المرأة، بحواجب مرفوعة.

أي رجل؟

الرجل الذي انفصل عنك عبر رسالة نصية في حفل العطلة؟

أوه، قالت المرأة. مستحيل! هزت كتفيها. ببساطة لم يكن الرجل المناسب.

إنَّ هذين المثالين، كما أقول لطلابي، مثالان على فشل المسافة السردية. ففي اللقاء الأول، في حفل العطلة، تروي المرأة القصة من دون أي مسافة عاطفية تجاه ما حدث للتو، من ثم لم تتمكن من  تحويل تجربتها إلى قصة جذابة لأنّها كانت غارقة في قوتها العاطفيّة؛ وفي اللقاء الثاني، تكون المسافة بينها وبين ما حدث كبيرة للغاية، لدرجة أنها لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تتصل فعلياً بالقوة العاطفية لقصتها، ناهيك عن مشاركتها بطريقة جذابة لشخص آخر.

عدم كفاية المسافة السردية أو زيادتها بشكل كبير يؤدي بنا لنفس النتيجة، وهي عدم قدرتنا على رؤية أنفسنا كشخصيات عاشت تلك القصة. قد تبدو الخطوة الأولى لإنجازها بشكل صحيح غير مثمرة، لكنها تنجح: بدلًا من التركيز على ماهية قصتك، فكر في كل الطرق الممكنة التي يمكن من خلالها سرد أي جزء من القصة. ركز على الأدوات السردية: الشخصية، الصوت، اللهجة، زمن الفعل، اللغة. فكر بمن يروي القصة - أنت، الراوي، تختلف عن الشخص الذي عاش تلك الأحداث، والشخصية التي مرت به ونجت منه. في الأساس، مجرد التفكير في قصة حياتك من منظور حرفي هو في حد ذاته عمل تعاطفي، يمكّنك، كراوٍ، خلق بعض المسافة السردية مع الحفاظ على ارتباطك وتواصلك مع القوة العاطفية لقصتك.