ماذا سيُكتبُ عن حرب بيروت الأخيرة؟

غفران حداد
شهد لبنان مدة طويلة من الصراعات الداخلية بما في ذلك الحرب الأهلية التي استمرت من عام 1975 حتى عام 1990، وتركت هذه الحرب تأثيرات عميقة على المجتمع عامة ومادة مأساوية وأزمات وجودية للروائيين اللبنانيين خاصة، الذين حاولوا معالجة البقاء في ظل تهديد الموت والانتماء والخيانة والحب، وكانت كتاباتهم عن الحرب ليست فقط وسيلة للعلاج النفسي وبوح سردي للكشف عن الصدمات والذكريات أو إثارة تساؤلات حول البقاء والهجرة والهوية، بل لأن الرواية تساعد في الحفاظ على ذاكرة الأحداث للأجيال اللاحقة ووهي سجل للتاريخ الشخصي والجماعي.
روايات الحرب
وكثيرة هي الروايات التي تناولت آلام الحرب الأهلية اللبنانية ومآسيها نذكر منها "الظل والصدى" ليوسف حبشي، و"جسر الحجر" لليلى عسيران، و"رحلة غاندي الصغير" لإلياس خوري، و"المستبد" لرشيد الضعيف، والقائمة تطول، ولم يقتصر تأثير الحرب في الرواية اللبنانية فقط على الروائيين الذين عاشوا ايامها مباشرة بل ظلت اثار الحرب حاضرة في اعمال الكتّاب اللبنانيين الشباب، وهذا ما قرأناه في رواية "حرب شوارع" لشارل شهوان و" استوديو بيروت" لهالة كوثراني و"اعترافات" لربيع جابر وللأخير رواية أيضا "تقرير ميليس" التي تتعمّق في اثار الحرب الأهلية اللبنانية حيث تدرس تعقيدات الذاكرة والشعور بالذنب والتسامح في الوقت الذي تسعى فيه الأمة الى تضميد جراحها وهذه الروايات وغيرها صنعت من مآسي الحرب اللبنانية مدرسة الرواية الجديدة واحدثوا ثورة في عالم السرد بل مرآة عكست التحولات في بنية المجتمع وتناولت الكثير من الروايات تفكك العلاقات بين الطوائف وتسيّد الشكوك والانقسامات بدل الثقة المتبادلة بين اللبنانيين ونجد هذا في رواية "التائهون" لأمين معلوف، نقرأ ما يعبر عن هذا "لم يكن عندي ولو للحظة واحدة ذرة شك في ان سلوك صديقي القديم اثناء اعوام الحرب يمثل خيانة للقيم المشتركة التي كنا نؤمن بها، وأرجو ألا يسعى إلى انكار ذلك، ولكن ألم يخن بسبب ولائه؟ فبدافع التعلق بالوطن رفض الرحيل في بداية الأحداث، ولأنه قرر البقاء اضطر الى القيام ببعض التسويات، والقبول على مرّ الأحداث ببعض التنازلات التي ستقوده إلى ارتكاب المحظور".
وكشفت بعض الروايات اللبنانية دور المرأة اثناء الحرب وبعدها من تحملها مسؤوليات أكبر داخل الأسر كما في روايتي "مريم الحكايا" و "دنيا" لعلوية صبح، ورواية "مسك الغزال" لحنان الشيخ ورواية "شتات بيروت: مذكرات حرب" لجين سعيد مقدسي.
وتقدم المقدسي مذكراتها رواية حميمة عن تلك السنوات حيث تلتقط اهوال الحرب وتأثيرها على الحياة الشخصية ونسيج المدينة وتصف لنا منظورا قيما عن الحياة في اوقات الحرب ومرونة الروابط الانسانية وعشقها العميق لبيروت التي صمدت في مواجهة أقسى الظروف.
كما قدمت الروائية السورية غادة السّمان مذكراتها التي وصفت وقائع ومجريات الحرب الأهلية اللبنانية التي عايشتها تحت عنوان "كوابيس بيروت "وهذه الروايات وغيرها التي تعنى بالأمكنة والمدينة وتعطي صوتاً تمثيلياً لمن لا صوت لهم.
لقد كان لتأثير الحرب الأهلية على المجتمع والثقافة اللبنانيّة تأثير عميق على الموضوعات والأساليب والمنظورات الأدبيّة وتعامل كتّاب هذه المرحلة مع تعقيدات العالم المتغيرة بسرعة وتحدوا السرديات التقليدية، واستكشفوا أشكالا جديدة للتعبير واستسقى العديد من الكتّاب أفكارهم من تجاربهم الشخصية كجنود او مدنيين اثناء الحرب حول مآسيها والبطولة والهوية الوطنية.
حرب بيروت الأخيرة
ماذا سيكتب الأدباء من روايات لحرب بيروت الأخيرة؟، والتي اندلعت في 23 من أيلول عام 2024 إثر مساندة حزب الله لعملية طوفان الأقصى في فلسطين، كان اجتياح العدو الاسرائيلي لجنوب لبنان ومعظم مدن ضاحية بيروت تحت عنوان القضاء على حزب الله انتهت الحرب من اغتيال كبار قياداتها على رأسهم السيد حسن نصر الله ودمار البنية التحتية للحزب وخراب معظم بنيان الضاحية الجنوبية لبيروت ونزوح مئات الالاف من المدنيين من الجنوب الى العاصمة كيف ستكتب مدينة تأبى النسيان؟ وتتحدى الصمت المطبق عليها وعلى حكاياتها كيف سيرسمون بيروت وهي متقمصة حكاية العشق والحب تارةً والموت والفقدان والثورة والنضال والحرية تارةً أخرى؟، نريد قراءة بيروت بشكل مغاير للسردية السائدة وحماية ما تبقى لنا من هذه المدينة من ذكريات وأمكنة وحكايات.