زهير الجبوري
تظهر تجربة النحات العراقي أحمد البحراني على قدر كبير في التنوع وتعدد الموضوعات التي تلامس قوام الإنسان، وما تحتويه من ميزات جماليّة، ولأنه يغور بتفاصيل الشكل عبر تعبيريَّة واضحة الأبعاد، فإن ذلك أعطى له سمة اللعب بسمات تجريديَّة، فهو من أبرز الفنانين الذين افاضوا إلى تجربتهم في تقديم ما هو معاصر وجديد في أعماله، بمعنى أنه يدخل مضمار المناسبات التي نعيشها في حياتنا الآن عبر فعاليات تتصل بالجمهور العام ككل، وقد تبين ذلك من خلال اشتغاله في "كأس الخليج" الخاص بمسابقة كرة القدم، وكانت على مستوى الأداء والتنفيذ العالي، ما يؤكد قدرة الفنان على الدخول في مناطق إبداعية مجاورة ولها قبولية التلقي.
الفنان أحمد البحراني تمكن من أن يغور بأعماله النحتية وإبرازها وتميزها عبر سيطرته على التكوين الكتلي وعلى مجسمات العمل الواحد في التشريح، من خلال الاحتفاظ على انشائية الشكل وعلى القدرة التعبيرية المجردة، لتتسم جلّ ما يقوم به بأبعاد متوازنة وحاضرة جماليا، وهذا ما يعطيه تفردا مائزا في كل عمل يشتغل عليه ويقدمه، وقد طرح الكثير من الأفكار التي ترتبط بالشخوص الذين لهم سمة التميز في مجال إبداعي وفكري وسياسي، كالمصممة الكبيرة زهاء حديد انموذجا، إضافة إلى ملاحقته بعض الظواهر التي تثير المجتمع والأخذ بها موضوعات للتنفيذ، فالشخوص عنده لهم سمات موضوعية تتجذر بالمواقف والشواهد الحياتية واليومية الملموسة، اضافة إلى اشتغاله في أعمال تحمل سمة تغريبية لها لونها الخاص ولها منظورها المثير في التلقي.
ما يميز البحراني في الكثير من منحوتاته أنه يغور بتفاصيل الموروث المعاصر، عكس ما قدمه كبار النحاتين العراقيين كـ "محمد غني حكمت واسماعيل فتاح الترك وميران السعدي" وغيرهم حين استثمروا من الموروث الرافديني وبعض الموروثات الحكائية التي جاءت من الأثر الحضاري ومن بطون الكتب كالحكايات وغيرها نتاجاتهم النحتية، فهو أدرك لعبة الأخذ بالموروث الحالي من خلال جعله مادة مناسبة للطرح، وهي استعارة عيانية من قبله، بمعنى أنه رأى الأشياء بأم عينه حين قام بالاشتغال عليها، وقد تعطي له تساؤلا مجترحا من قبل الآخر/ المتلقي، بأنَّ العوالم الحياتية المعاصرة هي عوالم ميديوية "معولمة" فإلى اي مدى يمكن الأمساك بها؟ ربما يكون الجواب أكثر مرونة حين تكون كافة الأشياء جاهزة للتنفيذ عند تحديدها زمنيا، وحين سُئل في حوار صحفي عن استلهامه لموضوعاته أجاب "أعيش يوميات الإنسان بكل تفاصيلها مع الأحداث سواء كان في الوطن أو في مناطق العالم وأحاول البحث عن اللحظات التي تستحق أن تترجم لأعمال فنية اقدمها للجمهور".
ولعل اشتغاله على المواد النحتية بجميع أصنافها كان واضحا، غير أنه يركز على مادة البرونز وهي المادة الأشهر من بين المواد النحتية التي يعتمدها الكثير من الفنانين، إلاّ أن "دغدغة" مشاعر المتلقي في طرح مفردات يومية مألوفة ومتحابة لدينا ربما تثير الانتباهة رغم تعايشها معنا كـ "الوسادة/ المخدة" والعصافير التي تقف عليها، هي موضوعات مشاكسة كما كتب عنه الفنان حمود شبر وهذه المشاكسة تبدو لذيذة في تلقيها لأنها باختصار شديد تمس مشاعرنا الخاصة من خلال ثيمات جزئية بسيطة لكنها عميقة في دلالتها، ما توحي هذه الاشتغالات على قراءة معاصرة لفحوى المضمون الذي يركز عليه وقد تكون لهذه القراءة مدلولات فكرية وأخرى اجتماعية ونفسية وحتى سياسية.
إضافة إلى الغور في عوالم النحت وموضوعاته المتنوعة التي تطرح جوانب تجريدية وتعبيرية ـ كما ذكرنا ـ فإنه دخل مضمار مُناظر للفن التشكيلي/ النحتي، الا وهو المضمار الرياضي عبر تصميمه وتنفيذه القطع النحتية في "الكؤوس والمداليات" ومثلما ذكرنا في تصميمه لكأس الخليج كان تصميمه لكأس العالم لكرة اليد الذي اقيمت في قطر 2015 ملفتا للنظر، وفي هذا الجانب على وجه التحديد، يحتاج إلى قراءة تحليلية ثقافية، بمعنى أن الجمهور المتابع "غير المختص" للمجال الفني يحتاج إلى تصور خاص لشكل المنحوت "كأس" لذا لمسنا كيف أجاد وتفرد في هذا الجانب، ما يجعلنا الانتباه إلى ما يقدمه بحرفنة عالية.
وجدير بالذكر أن الفنان النحات أحمد البحراني الذي ولد في أطراف محافظة بابل وتخرج من معهد الفنون الجميلة في نهاية العقد الثمانيني من القرن الماضي، قد أقام العديد من المعارض الشخصية داخل وخارج البلد مع مشاركاته في العديد من المعارض المشتركة وله العديد من الأعمال في بلدان العالم التي تهتم في عالم
الفن.