كاظم غيلان
ترحل الأزمنة تليها أخرى، كلها تخلّف أدرانها وبهجاتها وانتصاراتها وانتكاساتها، وتظل الشهادة التي ترتفع بنقاء الضمير والسريرة كفيلة بكشوفات الضوء الذي يُزيح المعتم في تاريخ تكالبت عليه أقلام التزوير
والمأجوريَّة .
جليل حيدر، الشاعر والمواطن البغدادي كتب فصلاً مهماً من سيرته "تنظيف الماضي" الذي صدر عن دار خطوط 2021 بواقع (110) صفحات من القطع الوسط .
بسردية شعرية سجل مشاهداته لحقبة دامية، تلك التي أفجعت العراق وطنا وشعبا في 8 شباط 1963 الانقلاب الدموي الذي اسقط تجربة اول جمهورية عراقية، قتل وأعمال بلطجة، واعتداءات صارخة وفوضى عارمة عمت العراق احالته لوطن يئن، يصرخ، يستغيث لما الحقته قطعان ميليشيا الحرس القومي مدعّمة أفعالها بقرارات دموية سمحت بالإبادة صادرة عن قيادة (الثورة).
تبدأ فصول التنظيف بقرار شجاع اتخذه "كريم دعبلة" في السيطرة على مركز شرطة الخلّاني الذي اتخذه الحرس القومي مقرّاً لهم لتنتهي بعودة كريم نفسه هابطاً في "القصر" وبسيارة دفع رباعي. وهذه إشارة لتقلبات الزمان العراقي، حكوماتٍ وناساً.
الشعريَّة كأداة يستخدمها جليل في شهادته، فالشاعر في سيرته هو الشاعر في قصيدته وفي كتابته لفصل من التاريخ يتفق مع ما أراده أرسطو في إشارته لذلك التباين بين محدوديّة الكتابة الرسميَّة أو البحثيَّة تلك التي لا تشير إلّا لما حدث، في حين يكتب لنا الشاعر ما يمكن ان يحدث بعد الحدث. ذلك ما يتضح لنا في عودة كريم دعبلة بحُلّة أخرى، حُلّة الحاضر الذي عشناهُ معاً مع جليل .
ما قاله الزعيم لـ (عبد تنته) يسجل حيدر وقائع صنعها ويصنعها المخيال الشعبي في شخصية المقدس، في إشارة للروايات التي نسجها ذلك المخيال في شخصية الزعيم عبد الكريم قاسم والتي شاعت بعد مصرعه في دار الإذاعة العراقية ببغداد، وبرغم عرض صورة مقتله رمياً بالرصاص بكل بشاعة مقززة من شاشة التلفزيون. إلّا أن ما تلا ذلك المشهد كان يسود بصياغات متباينة، فتارةٌ يرون الزعيم في صورة القمر، أو في مدينة مشهد، إلّا أنّ (عبد تنته) راح يهيئ المجموعات من أصحابه ليفعلوا نفس ما فعلوه أبناء حي الأكراد والكريمات والكاظمية .
المشهد الدموي يلخصه جليل لنا في ص 18:
" صار العراق كربلاء عظمى، حيث سفح دم وانتهك أكثر من مليون عراقي وعراقية "مشهد كهذا لا بدَّ من شهادة ثقافيّة حيّة كالتي قدمها لنا جليل حيدر وهو يفضح الماضي عبر
تنظيفه.