عصر الجنون

الصفحة الاخيرة 2025/03/06
...

طه جزاع


في ختام كتابه "تاريخ الجنون من العصور القديمة وحتى يومنا هذا" يورد المؤرخ الفرنسي المتخصص في تاريخ الطب النفسي كلود كيتيل قصة ذلك المجنون الذي يطل من نافذة حجرته بالمصحة ليسأل أحد المارين "أأنتم كثيرون هنا؟". يعقب كيتيل، هذه ليست مزحة، فنحن بالفعل كثيرون هنا، ويقصد أنه لم تعد هناك جدران تحيط بالمصحة، وأن المجانين خارج هذه الجدران، أكثر من الذين بداخلها. ويستعرض بأكثر من ستمئة صفحة جذور الجنون في العصور القديمة، ووضع المجانين في المجتمع إبان العصور الوسطى وفي عصر النهضة، متحدثاً عن نماذج من الجنون وممارسات احتجاز المختلين عقلياً، وصولاً إلى اختراع الطب النفسي، ثم العصر الذهبي للطب العقلي وازدهار المصحات في فرنسا، وما تلاها من ثورة في الطرق العلاجية.

من المؤكد أن القراء المهتمين بالفلسفة والطب النفسي، قد لاحظوا التشابه بين كتاب كلود كيتيل الصادر في فرنسا سنة 2009 وبين كتاب ميشيل فوكو الصادر قبل أكثر من ستين عاماً تحت عنوان "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" الذي تحدث فيه عن العزل الاجباري للمجانين في المجتمع الأوروبي مع بداية القرن السابع عشر، تلك المرحلة التي وصفها بـ "الحبس الكبير" حيث يوضع المجانين في أماكن معزولة بعيداً عن المجتمع، وهذا ما يشير إليه المؤرخ الفرنسي، مؤكداً الحاجة للرجوع إلى أطروحة فوكو عن ميلاد الطب النفسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي يُعد مع النصف الأول من القرن العشرين "العصر الذهبي لمستشفيات الأمراض العقلية". أما عصرنا الراهن فقد تحطمت فيه جدران هذه المستشفيات، ولم يعد الفارق كبيراً بين من هم في داخلها، ومن هم خارجها. "نحن بالفعل كثيرون هنا" ! .