لون النسوة.. فضاءات تشكيل المعنى

ابتهال بليبل
تدور الكثير من تجارب التشكيليات العراقيات بشكل أساس حول القيمة التأملية الجمالية للفن، تلك القيمة المعتادة المعروفة، إذ يستغورنّ الأفكار التي تستحثّ وتستفزّ العقل المجرّد لأي فنان بغضّ النظر عن جنسه وقصديته، في مقابل تجارب مائزة تتجه نحو القيمة غير المألوفة، التي يتمثلها عقل المرأة وحده، حيث يتحرّر من التوقعات النمطية المعتادة، بل من الحزن والانتماء ومن فكرتي الاضطهاد والمعاناة، لينطلق في فضاءات خاصة، فضاءات المرأة وحدها. ولكن من الطبيعي أن يشوب تلك التجارب ما يشوبها من ارتباك الرؤيا وعدم وضوح.
لذا عند النظر بعدسة نسوية فاحصة، إلى تلك التجارب، سنلمس تشابكاً مربكاً في مفاهيم المرأة المثالية. فاللغة التصويرية الأبوية "اللغة القامعة" لا تزال حاضرة في تشكيل بعض الثيمات المهمة، ممّا جعل محاولاتهن الدائمة في الطرح تتغير من خلال خلخلة المنظور وتغيير طرق المعالجة، لنرى في بعض اللوحات الصراعات التي تخضع له النساء داخل شبكة من الرمزية الدالة، تًظهر ما يردن من دون الالتفاف حول هدف ما، هدف قصدي يعبّر عن موضوع له نسق قار.
وهذه الاشتغالات التي أجدها في العديد من لوحاتهن تأخذني نحو تلك المساحة الضيقة التي تفصل بين "ضبط النفس والوقت الضائع" وتركز دوماً على "رغبة غير محققة" لموضوعات تعنى بحياة المرأة وخصوصياتها الدقيقة، حتى يمكن لي أن أزعم إنها تتبنى مفاهيم "سيغموند فرويد" حينما يقرّر أن الذكريات "تشكل جزءاً من محتوى الذات". هذه الذكريات التي تحولت لتصورات وانتهاكات من خلال أشكال لم تتجاوز تفسيراتها "العنف، والاغتصاب، والاضطهاد المجتمعي والقمع والحروب" وغير ذلك من أعمال تركت انطباعاً عن الدور المهم في الدفاع عن حقوق الإنسان والمرأة وما يرتبط بها من خطابات وسياسات.
وعلى نحو مماثل، تستوحي العديد من الفنانات أمثال "سؤدد الرماحي، سناء المعمار، جنان محمد، خلود بناي، كميلة حسين، زينة سعد الطائي، سندس شيروان طاهر، سارة الحديثي، جنان حسين عطا" وغيرهنّ التفسير البصري للحظة فارقة ومؤثرة تكشف الكثير عن المتع الفكرية والجمالية، فضلاً عن بعض التأثيرات العاطفية، ولهذا السبب لا يمكن انتاج مادة تجسد الواقع بصدق من دون ذكريات تدعمها وترسّخ مصداقيتها.
فصورة المرأة الجالسة في لوحة رسمتها امرأة لم يعد تمثيلها كالسابق، التغيرات الحاصلة عبر الزمن جرّت النساء إلى تغيير وسائل الاحتجاج والرفض، وبات ظهورها صامتة في كثير من الأحيان يجسد الاختناق من القيود، وكأنها تجلس في مساحة تشبه الزنزانة. لذا فأن ترتيب أجساد النساء وتشكيلها في أوضاع وإيماءات مختلفة من أعمالهن هو تعبير مجازي عن استسلام جسم المرأة للتأثيرات الذاتية التي تتداخل مع أشكال بصرية جديدة غايتها خلق التغيير من خلال التكوين الجسدي ومعطياته الرمزية داخل نصّ اللوحة
اللوني.
والحال نفسه عندما تلجأ الفنانة إلى استنطاق التاريخ، وتستلهم أعمالها من أحداث وشخصيات أسطورية وتأريخية، حيث الوعي العام الذي تحوله لشخصي مُعلّب بعاطفة أنثوية. وكذا الوضع مع التلوين وتقنيات الضوء والظل واعتمادها بشكل كبير على الحالة المزاجية التي تصورها الشخصية الفنية الأنثوية.
ويميز منظرو الفن أعمال الفنانات بأنها رسائل وإشارات ترشدنا إلى طرق استكشاف واسكتناه نوعي انطلاقا من السرديات المتعلقة بالنظريات النسوية المعاصرة وخلق المعنى من خلال ربط الرموز وتكاملها مع التمثيلات السائدة للمرأة والأدوار الخاضعة لها، فضلا عن الحدّ الفاصل بين الإبداع والانتاج. ومن ثمّ يتم تطوير المفاهيم النقدية تجاه الظروف الاجتماعية التي ترصدها وتحللها غاية في تقويضها، وهي العملية التي تؤدي من خلال الفن، وتؤدي بالضرورة إلى إعادة بناء لفهم التجربة المعاشة.